ريما مكتبي وأُبوة الخليل إبراهيم بالفطرة والاسم القديم
كتبهارجل من القريتين ، في 3 تشرين الثاني 2009 الساعة: 20:40 م
بسم الله الرحمَن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , وأزكى الصلاة وأتم التسليم على نبي المسلمين محمد وآله وصحابته والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد ؛
قال تعالى: {قالت يا أيها الملأ إني أُلقي إليَ كتابٌ كريم 29 إنهُ من سُليمان وإنهُ بسم الله الرحمَن الرحيم 30 ألا تَعْلُوا علي وأتوني مُسلمين 31} سورة النمل.
هذا هو الجزء الثاني من إدراج (ريما مكتبي غزالة الكعبة المسروقة) حيثُ كنتُ قد وعدتُ في نهاية الجزء الأول أن أكشف عن هوية الأب الصالح لريما مكتبي , وذلك بعد أن بينتُ وبرهنتُ على هوية الأب الفاسد لها في ذلك الجزء وهو أبي لهب ألا تبت يداهُ وتب , وهذا كلهُ بتوفيقٍ من الله الذي يعلم السرَ وأخفى , وعونهُ سبحانهُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء , وستكون المذيعة ريما مكتبي هي الشخصية النسوية الأولى التي يمنحها المسبار فرصة المرور تحت عينهُ السحرية مرتين, هذا وتجيء فكرة كتابتي لهذا البحث متزامنة مع ذكرى إضاءة الشمعة الأولى لمدونة ولي الدين والمسبار السحري , التي ظهرت إلى حيز الوجود بتاريخ 12/7/2007 , ورغم بداياتي النشطة في التدوين وزحمة أفكاري وندرتها ووجود الحاجة المُلحة إلى طرحها في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها الأمة والعالم ككل , إلا أن إنتاجي للأبحاث والمقالات قد تراجع كثيراً منذ نحو خمسة أشهر , بسبب ما ترتب من انكبابي على الكتابة الالكترونية من تعبٍ ذهني وضعفٍ في النشاط البدني , إلى جانب شعوري بالإحباط من ضعف الحصيلة التفاعلية التي حققتها هذه المدونة , خاصةً وأن الذين أعرفهم من المهتمين بكتاباتي المصدقون لما فيها لا يكادون يتجاوزون أصابع اليد وأغلبهم من الأقارب والأصحاب , حتى أن الزوار الذين كانوا يدخلون إلى صفحة المدونة لسبي وشتمي قد ملوا وولوا ولم يعد لهم أثر فيها , رغم أنني أبقيتُ باب التعليق مشرعاً أمامهم ولم أحذف من تعليقاتهم سوى الكلمات البذيئة والردود التي تمس الثوابت والعقيدة الصحيحة , قال تعالى : {وشَروْهُ بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودة وكانوا فيه من الزاهدين 20} سورة يوسف. ونتيجةً لهذا الأسباب قررتُ التخفيف من التدوين لحساب عَملي وصحتي البدنية والنفسية.
ريما مكتبي وأُبوة الحليم إبراهيم
قال تعالى : {ونفسٍ وما سواها 7 فألهَمَهَا فُجُورَها وتقواها 8} سورة الشمس. عرفنا في الجزء الأول من هذا البحث أن أبي لهب كان هو مُلهم المعصية والشر لنفس ريما مكتبي عافاها الله من ذلك , فمن هو يا ترى مُلهم الطاعة والخير لنفسها ؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {كل إنسان تلده أمه على الفطرة. وأبواه بَعدْ، يهودانه وينصرانه ويُمَجِسانه. فإن كانا مسلمين فمسلم. كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه، إلا مريم وابنها}. رواهُ مسلم في صحيحه. [يلكزه في حضنيه : ضربه بجمع كفه في صدره, وقيل في جنبه أو خاصرته]. نستدل من هذا الحديث الشريف على أن موضوع بحثنا المذيعة ريما مكتبي كغيرها من البشر مولودة على الفطرة السليمة والملة الصحيحة ملة الإسلام , الدين القَيِم الذي ارتضاهُ الله سبحانهُ وتعالى لأنبيائه عليهم السلام أجمعين وسائر عباده , قال تعالى : {قل آمنَا باللهِ وما أُنزِلَ علينا وما أُنزِلَ على إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنَبِيُونَ من ربهم لا نُفرقُ بين أحدٍ منهم ونحنُ لهُ مسلمون 84 ومن يبتغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يُقبلَ منهُ وهو في الآخرةِ من الخاسرين 85} سورة آل عمران.
وعلى رأس أهل هذه المِلة الحنيفية خليل الله سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي ينزل بمنزلة الأب لجميع أتباع هذه الملة , بنص قولهُ تعالى : {وجاهدوا في الله حقَ جِهادهِ. هو اجتباكم وما جعلَ عليكم في الدين من حرج. ملة أبيكم إبراهيم. هو سَمَاكم المسلمين من قبلُ وفي هذا ليكونَ الرسولُ شهيداً عليكم وتكونوا شهداءَ على الناس. فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعمَ المولى ونعمَ النصير 78} سورة الحج. وقد رزق اللهُ إبراهيم عليه السلام بولَدان هما إسماعيل الذي خرج من نسلهِ محمد عليهما الصلاة والسلام , واسحاق الذي خرج من نسله موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام , لذلك فإن جميع أهل الإيمان والتوحيد من يهود ونصارى ومسلمين قد حققوا إسلامهم وإيمانهم ببركة ذرية إبراهيم عليه السلام , وذلك تأكيداً من رب العالمين على وحدة الأديان ممثلةً بشخصية الأب الحليم إبراهيم عليه السلام , قال تعالى : {وقالوا كُونوا هُوداً أو نصارى تهتدوا. قل بل مِلةَ إبراهيمَ حنيفاً وما كان من المشركين 135} سورة البقرة. وقد كلفَ اللهُ سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام بالتوجه إلى مكة وشرفهُ بإعادة بناء الكعبة البيت الحرام , وتطهيرها من الشرك والأوثان وعبادة الشيطان , والنداء في الناس ليأتوا حاجين مُوحدين ومُعظِمين للمشْعَرِ الحرام , قال تعالى : {وإذ بوأنا لإبراهيم مكانَ البيتِ أن لا تُشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائِفين والقائمينَ والرُكع السجود 26 وأذِن في الناسِ بالحجِ يأْتوكَ رِجالاً وعلى كُلِ ضامرٍ يأتينَ من كُلِ فجٍ عميق 27} سورة الحج. [وقد ورد في غير ما خبر أن أول من شَابَ إبراهيم, وفي الإسرائيليات أن إبراهيم لما رجع من تقرب ولده إلى ربه رأت سارة في لحيته شعرة بيضاء فكان أول من شاب فأنكرتها وأرته إياها فتأملها فأعجبته وكرهتها وطالبته بإزالتها فأبى وأتاهُ مَلَك فقال: السلام عليك يا إبراهيم وكان اسمه ابرايم فزاد اسمه هاء والهاء في السريانية للتفخيم والتعظيم ففرح وقال: أشكر إلهي وإله كل شيء قال له المَلَك: إن اللّه صيرك معظماً في أهل السماوات والأرض ووسمك بسمة الوقار في اسمك وخَلقَك أما اسمك فتدعى في أهل السماء والأرض إبراهيم وأما في خَلقَك فقد أنزل وقاراً ونوراً على شعرك فقال لسارة: هذا الذي كرهتيه نور ووقار قالت: إني كارهة له قال: لكني أحبه اللهم فزدني نوراً فأصبح وقد ابيضت لحيته كلها] 1. نستشف من هذه الرواية ما يؤكد لنا انتماء ريما لملة إبراهيم عليه السلام دين الإسلام , حيثُ جاء بها أن اسم سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان ابرايم , فإذا عدلنا على حروف هذا الاسم بوضع حرف الألف الذي قبل الياء بعد حرف الميم فإنه يصبح ابريما , ثم نُبعد اب عن ريما فيصير الاسم اب ريما , أي أن (ابرايم = أب ريما) وهذا يعني أن ريما قد حازت مجازاً على الأبوة الكريمة من الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدلالة حروف اسمه القديم ابرايم , وذلك قبل أن يزيد الله اسمهُ بالتفخيم والتعظيم , وهذه الأُبوة المجازية وإن كان لريما فيها خصوصية بدلالة اسم الخليل إبراهيم , إلا أنها أُبوة حق حاصلة لجميع أهل هذه الملة الإسلامية من مختلف أجناس وأنساب البشر . فإذا أردنا التسليم بأن ريما حائزة حقاً على أبوة سيدنا إبراهيم , وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أبو المسلمين أجمعين , فإن هذا يقتضي أن تكون ريما مكتبي مُسلمة لرب العالمين , قال تعالى : {ومن أحسنُ ديناً مِمَن أسلَمَ وجههُ للهِ وهو مُحسنٌ واتبعَ ملةَ إبراهيمَ حنيفاً. واتخذَ اللهُ إبراهيمَ خليلاً 125} سورة النساء. وقد وُلدت ريما كما جميع الخلق مُسلمة على الفطرة السليمة , إلا أن الأهل والمجتمع قد يعظمون ويُفَخِمُون هذه الفطرة بالتربية والتعليم على مبادئها وقوانينها , وقد يُصغِرون ويُفسدون هذه الفطرة بقَدرِ بعدهم عن تعاليم هذه الفطرة والتصديق بها , ولا يخفى عليكم ما هو عليه حال أغلب الناس في هذا الزمان من تشتت في دينهم واختلاف في عقائدهم , الأمر الذي يؤدي إلى خلخلة فطرة الإنسان وفساد ظنهِ واعتقادهُ بربه , فيخرج من هذه الملة بعلم منه أو بغير علم , وتتسلط شياطين الإنس والجن حاضرها وغائبها على قلبهِ ونفسه وتُقعدهُ عن معرفة وطاعة ربه , وهكذا فإن ريما واقعة في حيرة هذا الزمان تتقلب نفسها بين تبعية ملة سيدنا إبراهيم أبوها في حالة الإسلام , وبين ملة إبليس اللعين سيد قلبها في حالة الغفلة والعصيان , وشتان شتان ما بين الاثنان وذلك أنه لا يزهد وينصرف عن ملة إبراهيم إلا الذي يجهل حقيقة نفسهُ ويمتهنها ويستخفُ بها ويُوردها المهالك , قال تعالى : {ومن يرغبُ عن ملة إبراهيمَ إلا من سَفِهَ نفسهُ. ولقد اصطفيناهُ في الدُنيا وإنهُ في الآخِرةِ لمنَ الصالحين 130 إذ قالَ لهُ ربهُ أسْلِم قال أسْلمتُ لربِ العالمين 131} سورة البقرة.
ريما .. والبحر والحرب .. والنجاة
إن قدر ريما أن تكون فتاة من أرض لبنان ذلك البلد الذي يقع على امتداد ساحل البحر الأبيض المتوسط هو أمر أكبر من مجرد صدفة , وقدر لبنان أن يكون ساحة للحروب والنزاعات , فما هو سر العلاقة بين ريما وبحر لبنان وحربها؟ الجواب على هذا التساؤل نجدهُ منطوياً في اسم ريما , وتحديداً في وسط اسمها (ريما = ر + يم + ا) , حيثُ أن كلمة يم المتوسطة بين أول وآخر حرف من اسم ريما هي من أسماء البحر , قال تعالى : {إذ أوحينا إلى أُمكَ ما يوحى 38 أن اقذفيهِ في التابوت فاقذفيهِ في اليم فليُلقهِ اليمُ بالساحل يأخُذهُ عدوٌ لي وعدوٌ لهُ. وألقيتُ عليك محبةً مني ولِتُصنعَ على عيني 39} سورة طه. إذن فكما أن ريما تسكن في لبنان الذي يقع على ساحل البحر المتوسط , فإن البحر كذلك متوسطٌ في ريما. والبحرُ وإن كان ماءً بارداً ثقيلاً إلا أن في جوفهِ نيرانٌ مُستعرة تجعل منهُ حرباً على الناس والطبيعة , فإذا أجرينا بعض التبديلات في مواقع حروف كلمة بحر على النحو التالي : (بحر = ح ر ب) فإننا نحصل على كلمة حرب. وإضافةً إلى انطواء الحرب في اسم ريما فإن عناصر الحرب الأُخرى مثل : [أمير الجيش والكتيبة وبعض المُقاتلين وأسلحتهم] قد انطوت كذلك في اسم ريما :
* فإذا بدلنا أماكن حروف اسم ريما على هذا النحو : (ريما = ارمي) , فإن النتيجة تساوي لفظ كلمة Army الإنجليزية والتي تعني بالعربية جيش , وإذا بدلنا أماكن حروف اسم ريما على هذا النحو (ريما = امير) فإننا نحصل على كلمة أمير , وبمحصلة النتيجتين الأخيرتين نكون قد حصلنا على جملة (أمير الجيش).
* وإذا بدلنا أماكن حروف اسم ريما على هذا النحو (ريما = رامي) , فإننا نحصل على مُفرد كلمة رُماة (رامي) , والرُماة هم كتيبة من المقاتلين يقومون بإطلاق الأسهم والرِِماح والصواريخ ونحوها. وكذلك فإن اسم ريما قد انطوى في جمع اسم سِلاح الرُماة القديم (رُمح = رِِماح) , والذي يُكتب حسب لفظهِ باستبدال الكسرة بمُعادِلها حرف الياء على هذا النحو (ريماح).
* وأخيراً فإن اسم عائلة ريما (مكتبي) يُشكل كلمة (كتيبة) على هذا النحو : إن آخر أربعة حروف من اسم مكتبي (الكاف والتاء والياء والباء) تُمثل أول أربعة حروف من كلمة (كتيبة) , ثم نقوم بقلب حرف الميم الذي في اسم مكتبي 180 درجة بصورة تمَاثُلية باتجاه اليسار حتى يصير هاء , والهاء في آخر الاسم عبارة عن تاء مربوطة ولكن قرعاء تماماً كرؤوس جنود الكتيبة المحلوقة , وبالنهاية فإن اسم مكتبي يصير كتيبه.
والحرب كما قُلنا هو قدر لبنان الذي لا يكادُ يخرج من حرب حتى يقع في أُخرى , وهو كذلك قدرُ ريما كما وضحنا أعلاه , وقد أحست ريما مكتبي بهذا القَدَر قبل أن يقع , وأعدت العُدة للتجاوب والتفاعل معهُ فاختارت لنفسها طريق السياسة والصحافة الجادة , ثم توجهت إلى بُؤرة الأحداث لنقل الصورة والصوت إلى المشاهدين , حتى إذا وقعت الواقعة واشتعلت نيران الحرب بين اليهود والجنوبيين , أبت ريما مكتبي إلا أن تكون ضمن فريق المُغَطِين , ملقيةً بنفسها بين ألسنة النيران وأكوام الحُطام وأجساد المقتُولين النِيام , ورغم هذا كلهِ إلا أنها خرجت من هذه المعمعة سالمةً وعادت على منزلها غانمة , ولها في هذا القَدَر الحَسن أسوةً بأبي المسلمين إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- أبوها بالفطرة والاسم القديم , الرسول الذي قذفهُ قومهُ في حفرةٍ عظيمةٍ أضُرمت فيها نيران تكفي يومها أهل الأرض جميعاً مئونتهم من النار , فمكث فيها عليه السلام نحو 40 يوماً لم يحترق منهُ سوى وثاقهُ – الذي قيدوهُ به- بأمر الله تعالى وحفظهُ لأوليائه, قال تعالى : {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ 68 قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ 69} سورة الأنبياء.
ريما مكتبي وأُخوة الكريم يوسف ابن يعقوب
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر , رضي الله عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم , يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم}. فإذا كان يوسف من أبناء سيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام بالنسب والإسلام , وكانت ريما من أبناء إبراهيم عليه السلام بالاسم والفطرة السليمة , فإن هذا يعني أن ريما قد حظيت مجازاً بالأخوة الكريمة ليوسف عليه السلام , ولريما مكتبي في الكريم يوسف عليه السلام آيتان , الآية الأولى : هي أن صفة الكريم التي وصف بها رسول الله محمد نبي الله يوسف عليهما الصلاة والسلام , والتي هي أيضاً اسمٌ من أسماء الله الحُسنى (الكريم) قد انطوت في اسم ريما ؟ّ! ولمعرفة كيف انطوى اسم الكريم في اسم ريما , نقوم بوضع حرف الألف الذي في نهاية اسم (ريما) في أوله فيصبح (أريم) , ثم نقوم بإسقاط الهمزة سهواً عن عصا الألف فيصبح الاسم (اءريم) , ثم نجري بعض الزُحاف اللغوي على عصا الألف وذلك بثنيها أسفل الهمزة إلى اليسار فتصبح ك ويصبح الاسم (ك ريم) , وأخيراً نضم ك إلى ريم فيصير اسم (ريما = كريم). أخرجَ الحاكم بسند صحيح عن أنس بن مالك , رضي الله عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {أُعطي يوسف وأمهُ شطر الحُسن}. شطر الحُسن أي نصفهُ, والحُسنُ الكامل يتكون من شطرين, الشطر الأول هو حُسنُ الخِلقة, وهذا الشطر هو ما أوتيه نبي الله يوسف عليه السلام كاملاً تاماً غير منقوص, فهو بذلك أحسنُ البشرِ خِلقَةً, والشطر الثاني للحُسن هو حُسن الأخلاق وهو ما أوتيه نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كاملاً تاماً غير منقوص, قال تعالى: {وإنك لعلى خُلِقٍ عظيم 4} سورة القلم. ونستخلص من الحديث الشريف اعلاه الآية الثانية لريما مكتبي في يوسف عليه السلام , حيثُ جعل الله لريما مكتبي سهماً ونصيباً من موهبة الحُسن الكامل الذي منحهُ لنبيه يوسف عليه السلام , وقد أحسن الصِدِيق الكريم يوسف عليه السلام شكر هذه المنحة الربانية , فاختار أن يقبع في سجون مصر المُعتمة على أن يستجيب لرغبات سيدة القصر ونسوتهُ , اللواتي لم يستطعنَ مقاومة سِحرَ جمالهِ وشغفَ محبتهِ , وكان من جزاء الله ليوسف عليه السلام على أدبه وحُسن خُلُقه أن زادهُ على حُسن خِلقتهِ هيبةٍ ووقار حتى صار عليه السلام كهيئة الملائكة , ولو أنهُ عليه السلام عصى الله وأجاب النسوة إلى شهواتهن- حاشَ لله أن يفعل- لخبا نور جمالهِ وانطفأ , ولأورثهُ الله ذُلاً يعرفهُ الناسُ في وجهه إلى يوم القيامة , وقد قال اللهُ في كتابه الكريم على لسان الشاكر الأمين يوسف ابن النبيين عليهم السلام أجمعين : {.. إني تركتُ ملةَ قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون 37 واتبعتُ ملةَ آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ما كان لنا ان نُشرك بالله من شيء. ذلك من فضلُ اللهِ علينا وعلى الناس ولكنَ أكثر الناسِ لا يشكرون 38 يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ القهار 39 مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 40} سورة يوسف.
ومن عموم البلوى أن أكثر الناس ممن وهبهم الله حُسن الخِلقة لا تراهم يزدادون يوماً بعد يوم إلا قُبحاً وجفافاً في هذه المنحة الربانية, وذلك لأن غالبيتهم لا يريدون بهذه الموهبة إلا الفتنة والرياء وتحقيق الشهوات, فيبهت حُسنهم ويخمد تألق أرواحهم التي هي مرآة جمالهم من كثرة ذنوبهم واسوداد قلوبهم, هذا عدا عما يُصيبهم من الحسد والعين الذي هو نتيجة طبيعية لكشف مواهبهم أمام الناس, ولا سبيل للمحافظة على النعمة إلا بشكر الله عليها وصيانتها وحفظها من أعين الحاسدين , وليس أجدى لحفظ هذه النعمة شيءُ مما شرَعهُ عز وجل لعباده من وضوء وصلاةٍ وطهارة تُقوي العُود وتجلو الروح وتحفظ النَضَارة , وبما أمر بهِ من وجوب إخفاء المرأة لزينتها عن أعين الناس إلا المحارم منهم.
لطيفة: أجمل أهل الجنة
إذا كان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب عليهما السلام هو أجمل أهل الدنيا, فإن آخر أئمة أهل الإسلام المهدي عليه السلام هو أجمل أهل الجنة وأبهاهم حُلة, عن عبد الله بن عباس , رضي الله عنهُ, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{المهدي طاووس أهل الجنة} أخرجهُ الديلمي في كتاب (الفردوس).
ريما مكتبي في الذكر الحكيم
قال تعالى: {واذكر في الكتابِ مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا 16} سور مريم.
ذكرت في مواضيع سابقة أن الله جعل في القرآن ذكراً لمخلوقاته وعلى رأسها خليفته الإنسان, وهذا الذكرُ لا يعلم كيفيتهُ وحقيقتهُ إلا من فتح الله عليه باب هذا العلم من المتدبرين لآيات الله المُعظمين لشأنها, قال تعالى :{لقد أنزلنا إليكم كتابٌ فيه ذكركم, أفلا تعقلون 10} سورة الأنبياء. وقد هداني الله إلى استنباط اسم المذيعة (ريما مكتبي) من الجزء السادس عشر من القرآن الكريم وتحديداً من الآية السادسة عشر من سورة مريم, وهذه الآية هي الآية الأولى في السرد القرآني لقصة حمل السيدة الطاهرة مريم ابنة عمران للمسيح عيسى عليهم السلام جميعاً, ومن أسرار هذه الآية والجزء الذي وردت فيه أن جاء رقمهما مساوياً لعمُر مريم عليها السلام حينما رزقها الله الحمل بالمسيح عليه السلام, حيثُ ورد في غالبية روايات التفسير أن عمرها كان آنذاك 16 سنة.
وذكر السُهيلي في شأن مريم: [أن القرآن لم يذكر امرأة باسمها إلا (مريم ابنة عمران) فإنهُ ذكر اسمها في نحو ثلاثين موضعاً, لحكمة ذكرها بعض الأشياخ, وذكر أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ ولا يبتذلون أسماءهن, بل يُكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال, ولم يصونوا أسماء الإماء عن الذكر, فصرح الله باسم مريم لِما قالت النصارى في مريم تأكيداً لعبوديتها, وإجراء الكلام على عادة العرب من ذكر إمائها, وتكرر ذكر عيسى منسوباً إلى أمه لتشعر القلوب بنفي أبوة الله وبنزاهة أمهُ الطاهرة عن مقالة اليهود] 2 .
وفيما يلي بيان كيفية انطواء اسم (ريما مكتبي) في الآية 16 من سورة مريم:
قال تعالى: {واذكر في الكتابِ مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا 16} سور مريم.
لقد جاء انطواء اسم (ريما مكتبي) في هذه الآية تحديداً في جملة (الكتابِ مريم), ويلزمنا إجراء تعديلات طفيفة ولطيفة على هذه الجملة لنحصل منها على الهدف المنشود.
* بدايةً نقوم بحذف أل التعريف من كلمة الكتابِ لنُعيدها إلى أصلها (كتابِ).
* ثم نقوم بإجراء عملية تبادل حروف بين كلمة كتابِ واسم مريم, وذلك بمبادلة حرف الألف الذي في كلمة كتابِ بحرف الميم الذي في أول مريم, لتصبح الكلمتان قبل أن نُدخل عليهما الحرفان المُتبادلان : كتبِ ريم.
* والآن نقوم بوضع حرف الألف المأخوذ من كلمة كتابِ في آخر ريم فتصبح ريما, ثم نقوم بوضع حرف الميم المأخوذ من أول مريم في بداية كلمة كتبِ فتصبح مكتبِ, لتصبح بذلك كلمتي (كتبِ ريم) تساويان (مكتبِ ريما).
* وأخيراً وليس آخراً, فإن كلمة مكتبِ (بكسر الباء) تُلفظ كما لو أنها مكتبي, إذ أن حركة الكسر في الكلمة هي بمثابة ياء خفية تُلفظ ولا تُكتب, لذا نستبدل كلمة مكتبِ (بكسر الباء) بكلمة مكتبي المُعادلة لها لفظياً, علماً بأن هذه الكسرة أصلية في كلمة الكتابِ حسب موضعها في الآية أعلاه, وأخيراً فإننا نكون قد وصلنا إلى الغاية واستخرجنا اسم ريما مكتبي من هذه الآية (مكتبي ريما), وكل ما تبقى لنا فعلهُ هو استبدال المُبتدأ (مكتبي) مكان الخبر (ريما), وهذه هي المعادلة كاملة:
الكتابِ مريم = كتابِ مريم = مكتبِ ريما = مكتبي ريما = ريما مكتبي.
إن آخر ثلاثة أحرف من اسم مريم على الترتيب هي أول ثلاثة أحرف من اسم ريما (ريم), وتُشارك ريما مكتبي السيدة مريم عليها السلام بفقدان الأب في مرحلة الطفولة, رغم أن مريم عليها السلام زادت عن ريما بفقدانها الأم أيضاً وهي لا تزالُ صبيةً صغيرة, وإن انطواء ذكر ريما مكتبي في القرآن بمعيية ذكر سيدة بمكانة مريم أم المسيح عليهما السلام, إنما هو لتحفيز ريما على الإقتداء بالسيدة البتول المُباركة الكريمة, ولقد ضربت مريم عليها السلام بعلمها وأدبها وزُهداها وصبرها وتقواها مثلاً عظيماً للنساء والرجال على حدٍ سواء, وقد كان من زهد مريم عليها السلام وإيثارها الفقراء والمساكين برغيف الطعام أن كان رزقها يأتيها رغداَ من عند الله الكريم المنان, وكان من طهارتها وعفتها واحتشامها واحتجابها عن أعين الناس أن مَنَ الله عليها بالحمل دون لقاح الرجال, وما هذه الكرامات والمعجزات التي أتاها الله مريم عليها السلام إلا ليعلم الناس أن الله يرزق الصابرين والمُتقين ولا ينساهم, وإنما ذلك الشيطان يُخوف أتباعه من الإنسِ والجان بأنهم سيفتقرون ويجوعون إذا تصدقوا وزكوا أموالهم, وسوف يُصابوا بالعقم والأمراض التناسلية إذا لم يُقدموا على الحُب والمُمارسات الجنسية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , وصلى الله على محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
المراجع والهوامش: 1- رواهُ البيهقي في شُعَبِ الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص , (كتاب فيض القدير شرح الجامع الصغير – حرف الشين).
2- مختصر تفسير ابن كثير, الجزء الثاني, هوامش تفسير سورة مريم.
مواضيع ذات صلة على الرابط التالي:
نُشر لأول مرة بتاريخ 25-7-2008
فكرة وإعداد :م.وليد الكراعين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كوكب قصص الأنبياء والصالحين, مواجهات مع أهل الإعلام | السمات:معاني الأسماء
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 25th, 2008 at 25 يوليو 2008 3:41 م
إرشادات للقراء والمعلقين :
1- الرجاء قراءة الإدراج بعناية وتركيز قبل التعليق عليه.
2- إن هذا الإدراج هو نتاج اجتهاد شخصي بحت , فما كان فيه من خيرٍ وصواب فهو من توفيق الله , وما كان فيه من شرٍ وأخطاء فهو من نفسي.
3- أرحب باقتراحاتكم ونقدكم البناء , والرد عليها سيكون على هذه الصفحة بإذن الله .
المراسلات الخاصة على هذا العنوان : wli.krown@yahoo.com