ذبيح المنام إسماعيل عليه السلام
كتبهارجل من القريتين ، في 12 تشرين الثاني 2009 الساعة: 17:01 م
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيد ولد إسماعيل , سيدنا محمد وآله وصحبه خير الخلق أجمعين . أما بعد ؛ هذا هو البحث الثاني في بيان الإعجاز القرآني في تفسير معاني الآية الثالثة عشر من سورة البلد , قال تعالى : {فكُ رقبة 13}. حيثُ كان التفسير الأول لهذه لآية الكريمة في بحث التفسير الحديث في شرح أزمة الخليج. سيدنا أسماعيل فرع العرب والمسلمين من ولد إبراهيم عليهما الصلاة والسلام أجمعين , هو سيد هذا الجزء من البحث في معاني ودلالات آي الذكر الحكيم , وبشكل خاص الآية محور الأبحاث التي خضعت لها رقاب العباد .
الذبيح إسماعيل عليه السلام
قال تعالى : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ من الصابرين 102 فلما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 103 وناديناهُ أن يا إبراهيم 104 قد صدقت الرؤيا . إنا كذلك نجزي المحسنين 105 إنَ هذا لهوَ البلاءُ المبين 106 وفديناهُ بِذِِبح ٍ عظيم 107} سورة الصافات .
لطائف التفسير :
{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ من الصابرين 102}
رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام في منامه أنه يذبح ولده , ورؤيا الأنبياء وحي من عند الله لا بدُ أن يتحقق , فعرف إبراهيم من الرؤيا أنه مأمور بذبح ِ ولده فلذة كبده , وكان إسماعيل قد بلغ السعي أي شبَ وأصبح يسعى مع أبيه ويعينه ، وقيل في كتب التفاسير مثل القرطبي والجلالين أنه كان ابن ثلاث عشرة عاما عندما أُمر أبوه بذبحهِ , وهو نفس رقم الآية {فكُ رقبة 13} والتي تعني لفظياً فصل الرقبة عن الجسم , وبالعودة إلى آية الذبح أعلاه فإننا لو قمنا بجمع العددين 1 و2 في رقم الآية 102 مع بقاء الصفر الذي بينهما , يصبح الرقم 30 وهو يساوي ثلاث عشرات , ثم نضيف حرف التاء الذي في آخر عشرات إلى ثلاث فيصبح الرقم ثلاثة عشرا , وكما هو معلوم فإن حركة الفتح تحل مكان حرف الألف وتُماثله في المعنى والإعراب , لذلك نستبدلها به ونضعها في نهاية كلمة ثلاثة , فيصبح رقم الآية ثلاثةَ عشر مشابهاً لرقم آية {فكُ رقبة 13} , وهو عُمر سيدنا إسماعيل عليه السلام عندما تعرض لحادثة الذبح والفداء , وفي هذا دلالة على إعجاز قدرة الباري سبحانه وتعالى في نسج آيات كتابه الحكيم بشكل مترابط بالمعاني اللفظية والحقيقية , ومتناسق ودقيق بالترتيب العددي لآياته التي نزلت على مدار 23 سنة بأوقاتٍ ومناسباتٍ مختلفة .
{فلما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 103}
عنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : { لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَان عِنْد السَّعْي فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى جَمْرَة الْعَقَبَة فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَان فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات حَتَّى ذَهَبَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات وَثَمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ ..} [تفسير ابن كثير] .
وفي هذه الآية توافق عجيب مع تتابع الآيات الكريمة التالية ومعانيها : {فلا اقتحمَ العقبة 11 وما أدراك ما العقبة 12 فكُ رقبة 13} , من سورة البلد التي نزلت بمكة المكرمة واقسم الله بها في أول السورة , قال تعالى : { لا أقسمُ بهذا البلد 1} , وبمكة المكرمة سعى أبينا إبراهيم عليه السلام ناسكاً لله سبحانه وتعالى لتنفيذ أمره بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام , فاعترض الشيطان طريقه عند جمرة العقبة فجاهد إبراهيم عليه السلام نفسه ورماهُ بحَصَيَات حتى انصرف عنه , وتجاوزَ الخليل إبراهيم عليه السلام جمرة العقبة واقتحمها خاشعاً منقاداً لأمر الله تبارك وتعالى , رغم ما في نفسه من ثِقلٍ وحرج ٍ شديد مما سيفعلهُ بولده , وهذا مصداقاً لقوله تعالى : {فلا اقتحم العقبة 11} َقَالَ قَتَادَة في تفسيرها : إِنَّهَا عَقَبَة قَحْمَة شَدِيدَة فَاقْتَحِمُوهَا . َوكذلك اقتحمها إبراهيم عَلَيْهِ السلام ثم صَرَعَ ولده على جبينه حتى لا يرى وجههُ فيشفق عليه , وَلِكُلِّ إنْسَان جَبِينَانِ بَيْنهمَا الْجَبْهَة وهذا معنى قولهُ تعالى تلهُ للجبين , وَكَانَ ذَلِكَ بِمِنًى وَأَمَرَّ السِّكِّين عَلَى حَلْق ِ إسماعيل عليه السلام فَلَمْ تَعْمَل شَيْئًا بِمَانِعٍ مِنْ الْقُدْرَة الْإِلَهِيَّة , وهذا مصداقاً لقوله تعالى : {فكُ رقبة 13} , إذ هم إبراهيمُ عليه السلام بفك رقبة ولده إسماعيل عليه السلام وفصلها عن جسده الكريم , ومن مثل ذلك قوله تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم 83 وأنتم حينئذ ٍ تنظرون 84 ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون 85} سورة الواقعة . بلغت الحلقوم : المراد بلغت الروح حلق الإنسان .
{وناديناهُ أن يا إبراهيم 104 قد صدقت الرؤيا . إنا كذلك نجزي المحسنين 105 إنَ هذا لهوَ البلاءُ المبين 106 وفديناهُ بِذِِبح ٍ عظيم 107}
في هذه الآيات الكريمة استكمالاً للتوافق القرآني العجيب , فبعد أن أخبر الله سبحانه وتعالى في سورة البلد عن اقتحام العقبة ثم فك الرقبة , وتوافقهما مع قوله تعالى : {فلما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 103} , جاءت الآيات التالية لهذه الآيات في كلتا السورتين متوافقة كذلك في معناها ومغزاها , إذ قال الله في سورة البلد : {فكُ رقبة 13 أو إطعامٌ في يوم ٍ ذي مسغبة 14 يتيماً ذا مقربة 15 أو مسكيناً ذا متربة 16} نقرأ أو هنا على أنها أداة شرط , أي يا إبراهيم إذا كنت لا تطيق ذبح ولدك إسماعيل , فإن الله جَلت قدرته قد رفع عنك أمر الذبح وفدى ولدك بكبش عظيم - قال ابن عباس : خَرَجَ عَلَيْهِ كَبْش مِنْ الْجَنَّة أبيض أقرن أعين قَدْ رَعَى قَبْل ذَلِكَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا - فأَطْعِم به الجائعين وتصدق منه على اليتامى والمساكين , ثم جعل الله هذه المناسك فريضةً على المسلمين وبراءةً من الشرك بهِ إلى يوم الدين .
* ثم أنه لإكمال عقد التوافق والتشابه في الآيات المبينة أعلاه في السور الثلاثة , الصافات التي جاء بها قصة ذبح إسماعيل عليه السلام ابتداءً من الآية 102 , والواقعة ابتداءً من قوله تعالى { فلولا إذا بلغت الحلقوم 83} , والبلد ابتداءً من قوله تعالى : {فلا اقتحم العقبة 11} , فإننا نجد أن نهاية فقرات هذه الآيات في السور الثلاثة جاءت متشابهة أيضاً , حيث سلمَ الله على إبراهيم عليه السلام في آخر القصة في سورة الصافات بقوله تعالى : {سلامٌ على إبراهيم 109} , وسلم الله على أصحاب اليمين في توابع الآية 83 في سورة الواقعة , قال تعالى : {وأما إن كان من أصحاب اليمين 90 فسلامٌ لك من أصحاب اليمين 91} , وأثنى الله على أصحاب اليمين في توابع الآية 11 من سورة البلد , بقوله تعالى : {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة 17 أولئك أصحاب الميمنة 18} , وهذا دليلٌ إضافي على الصياغة الإعجازية للقرآن الكريم , حيث جاءت قصة فداءُ إسماعيل عليه السلام , بعدة سور بصورةٍ مباشرة وغير مباشرة , نعرفها ونستنبطها من معاني ألفاظ الآيات وتفسيرها وترتيبها الرقمي وتتابعها ونهاياتها , وللأمانة فإنه في طيات هذه السور والآيات المزيد من الدلالات والمفارقات العجيبة , إلا أنني آثرتُ عدم إدراجها في هذا البحث حتى لا يشق على القارىء استيعابها , ويصيبه الملل من كثرتها وتكرارها .
وأخيراً وليس آخراً , فقد جاء في تفسير معنى الآية الكريمة موضوع البحث {فكُ رقبة 13} من سورة البلد , ما يدل على قصة ذبح إسماعيل عليه السلام , عَنْ سُلَيْم بْن عَامِر أَنَّ شُرَحْبِيل بْن السِّمْط قَالَ لِعَمْرِو بْن عَبَسَة حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّد وَلَا نِسْيَان قَالَ عَمْرو سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة مُسْلِم كَانَتْ فِكَاكه مِنْ النَّار عُضْوًا بِعُضْوٍ وَمَنْ شَابَ شَيْبَة فِي سَبِيل اللَّه كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْم الْقِيَامَة وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فَبَلَغَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ كَانَ كَمُعْتِقِ رَقَبَة مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بَعْض هذا الحديث وذكره ابن كثير في تفسيره .
لطيفة الكاتب:
لو قمنا بعكس ترتيب عددي رقم الآية الكريمة {فكُ رقبة 13} , يصبح الرقم 31 , وهو عدد سنين عمري منذ أن فتح اللهُ علي بمعرفة سر هذه الآية , وحتى وقت إنجازي لهذا البحث المبارك بإذن الله تعالى .
مواضيع ذات صلة على هذا الرابط :
* نُشر لأول مرة بتاريخ 16-8-2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كوكب إعجاز القرآن والسُنة, كوكب قصص الأنبياء والصالحين | السمات:الأنبياء
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























