اللعن
قال:{تُكثرن اللعن}, والمقصود من اللعن الذي تُكثرهُ المرأة تحديداً هو لعن العيش والزوج والأولاد, كأن تقول المرأة في ساعة التذمر والغضب من عيشها: (يلعن هذه العيشة), أو تقول عن زوجها "بالعامية": (يلعن أبو اليوم اللي شُفتك وعرفتك فيه, ويلعن أبو الساعة اللي وافقت فيها على الزواج منك), أو تقول عن ولدها: (يلعنك ويلعن اللي جابوك), واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله, والخالق سبحانهُ وتعالى هو حدهُ من يملك طرد عبادهُ من رحمته, ولا ينبغي ذلك لإنسان مخلوق في حق ِ أي مخلوقٍ مثلهُ حتى لو كانت دابة أو صخرة, عن عبد الله بن مسعود, رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ليس المؤمن بالطعان, ولا اللعان, ولا الفاحش, والبذيء} رواه الترمذي.
ويُستثنى من ذلك لعن من لعنهم الله ورسوله عامتهم وخاصتهم ومن كان على شاكلتهم, كالفاسقين والظالمين والكافرين ولكن دون ذكرِ واحدٍ منهم على وجه التعيين فإنهُ لا يعلم سوء الخواتيم سِوى رب العالمين, وأما لعن إبليس وفرعون وآلهم, وقارون والنمرود وأبي جهل وأبي لهب ومن ثبتت سوء سيرتهم وخاتمتهم فهذا جائز.
وأما اللعن الذي تُكثر منهُ المرأة بشكلٍ عام فهو كثرة ذكرها للدنيا وأمورها ومتاعها, والدنيا كما قال عنها خير المر سلين عليه وآلهِ أفضل الصلاة والتسليم: {إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله ، وما والاه ، وعالم أو متعلم} رواه أبو هريرة, وإسنادهُ حسن. الدنيا ملعونة: أي قصيرة الأمد وزائلة ينشغل فيها الناس ويُفتتنوا عن آخرتهم الدائمة. وقد قال الإمام الشافعي رحمهُ الله في العلم خاصةً ما هو بمعنى هذا الحديث الشريف:
كل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ .. إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدَثَنا .. وما سوى ذلك وسواس الشياطين ِ
وتُعتبر صفة النسيان التي تضرب على قلوب الكثير من النسوان إحدى أهم أسباب انغماس النساء في ذكر الدنيا قولاً وعملاً, وقد ذكرتُ في الأجزاء السابقة كيف أن النسيان هو طبع مُتأصل عند النسوان, ويكفينا أن نعلم أن كلمتي (النساء) و (النسيان) أختان في اللغة أبوهما هو الجذر (نسا), وكذلك فإن اهتمام المرأة الزائد بجمالها وأناقتها تفتح عليها باباً للإكثار من ذكر الدنيا وزينتها, ولتتغلب النساء على آفة الإكثار من ذكر الدنيا والانشغال بمتاعها الزائل, عليهن أن يُكثرن من ذكر الموت والآخرة ونعيمها الدائم, عن أنس رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلس وهم يضحكون فقال : { أكثروا من ذكر هاذم اللذات . أحسبه قال: فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه} إسنادهُ حسن. هاذم اللذات: يعني الموت, وذلك لأنهُ يكبح جِماح شهوات النفس ويمنعها من التلذذ بالدنيا, ضَيَقهُ عليه: أي كُفي بذكر الموت فتنة ما هو فيه من سعة ورغد العيش.
ولا بأس في أن نذكر أمور الدنيا ما لم يكن ذلك سبباً في الغفلة عن ذكر الآخرة, وعلى أن لا يُصاحب ذكرها فحشُ القول وما تقع بهِ الفتن والمفاسد, وذكرُ الدنيا بما فيه مصلحة للناس وتسريةً للنفوس وترويح عن القلوب هو مما لا غنى عنهُ للنساء والرجال على حدٍ سواء.
{تكفُرنَ العشير}, وأما عن كفران النساء العشير فإننا نجد معناهُ فيما رواهُ البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :{اطلعتُ في النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفُرن العشير, لو أحسنتَ إلى إحداهُن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت : ما رأيتُ منك خيراً قط}.
وفي هذا الحديث تأكيد على أن النسوان سريعات النسيان, وذلك أن الرجل إذا دوام على الإحسان إليهِنَ شهور وأيام ثم صَدرَ منهُ خطأ أو إساءة بحقِهنَ بقصد أو بغير قصد, نجدهُن يُنكرن ويتناسين كل الذكريات الحسنة مقابل هذه الإساءة الوحيدة, وهذا من إجحاف المرأة بحق زوجها وكفرانها بحسن عشرتهُ لها.
ونجدُ أن كفران المرأة بعشرة زوجها يزداد ويبلُغ أوجهُ في حالة تزوج زوجها عليها أو هَمَ بأن يفعل, وفي هذه الحالة وخاصةً عند نساء هذا الزمان فإن المرأة تتحول إلى بركانٍ ثائر يقذف الرجل بشتى ألوان اللعن والكفران.
وسأنتقل الآن بعد ذكر هذا اللون من آفات اللسان التي تقع فيها النسوان, إلى بيان نوعٍ آخر مشهور من آفات اللسان والذي هو في مجالس النسوان بمنزلة الملح من الطعام.
الغيبة والنميمة
الغيبة والنميمة فاكهة المجالس المُرة, وبصل وثوم كل فم ولسان يتكلمُ بهما دون وجه حق, روى معدان بن أبي طلحة عن عمر بن الخطاب, رضي الله عنهُ أنهُ قال : {إنكم أيها الناس ، تأكلون من شجرتين ، ما أراهما إلا خبيثتين : هذا البصل والثوم . ولقد رأيت نبي الله ، إذا وجد ريحهما من الرجل ، أمر به ، فأخرج إلى البقيع . فمن أكلهما ، فليمتهما طبخا} صحيح النسائي.
وروى الإمام أحمد في (مُسنده), عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهُ قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة مُنتنة, فقال رسول الله: {أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون الناس}.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيُحبُ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموهُ واتقوا الله إن الله تواب رحيم 12} سورة الحجرات.
وعن عبيد الله مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله، وأن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ! إن هاهنا امرأتين صامتا، وأنهما قد كادتا تموتان من العطش، قال : فأعرض عنه أو سكت ، ثم عاد ، قال : أراه قال : بالهاجرة ، فقال : يا نبي الله ! إنهما والله قد ماتتا أو كادتا تموتان ، فقال : {ادعهما فجاءتا ، قال : فجيء بقدح ، أو عس فقال لإحداهما : قيئي ، فقاءت من قيح ودم وصديد ، حتى قاءت نصف القدح ، ثم قال للأخرى : قيئي فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما عبيطا ، وغيره حتى ملأت القدح ، ثم قال : إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما ، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما ، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس} رواه البيهقي.
ذكر النووي في كتابه (الأذكار) تبعاً للغزالي: (الغيبة ذكر المرء بما يكرههُ سواء كان ذلك في بدن الشخص, أو دينهُ, أو دنياه, أو نفسه, أو خَلقه, أو خُلقه, أو مالهُ, أو ولدهُ, أو زوجهُ, أو خادمه, أو ثوبه, أو حركته, أو طلاقته, أو عبوسته, أو غير ذلك مما يتعلق به, سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز).
وأما النميمة فهي: (نقل القول إلى المقول فيه ولا اختصاص لها بذلك, بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه, أو المنقول إليه, أو غيرهما, وسواء كان المنقول قولاً, أو فعلاً, وسواء كان عيباً, أم لا, حتى لو لرأى شخصاً يخفي مالهُ فأفشى كان نميمة) من كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
قال تعالى: {ولا تُطع كلَ حَلافٍ مهين 10همازٍ مشاءٍ بنميم 11} سورة القلم. مشاءٍ بنميم: يسعى إلى الإفساد بين الناس.
وقال حُذيفة: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {لا يدخل الجنة نمام} رواه مسلم.
وقد جاء في سورة يوسف عليه السلام وقصتهِ مثالاً معبراً عن الغيبة والنميمة عند النساء , يوضح أن هذه الآفة اللسانية عامة في الطبقات النسوية الفقيرة والغنية .
قال تعالى : {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 30} .
(يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ خَبَر يُوسُف وَامْرَأَة الْعَزِيز شَاعَ فِي الْمَدِينَة وَهِيَ مِصْر حَتَّى تَحَدَّثَ بِهِ النَّاس وخاصةً النساء {وَقَالَ نِسْوَة فِي الْمَدِينَة}, مِثْل نِسَاء الْكُبَرَاء وَالْأُمَرَاء وجواريهن تتحدثن وتُنْكِرْنَ عَلَى اِمْرَأَة الْعَزِيز وَهُوَ الْوَزِير وَيَعِبْنَ عليها ذلك الفعل.
ولو أن نساء مصر قصدن من حيث المبدأ من قولهن ذلك أن يُنكرن وقوع مثل هذا الفعل المشين من امرأة الوزير لكان قولهنَ مقبولاً, ولكنهنَ إنما تداولن النبأ شماتةً بسيدة مصر الثانية وسعياً للتشهير بها وفضحها والحط من مكانتها الرفيعة بين سائر نساء مصر, وهذا السياق من الحديث الذي تكلمت به نسوة مصر بحق امرأة العزيز في غيبتها هو عين (الغيبة), كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: {أتدرون ما الغيبة؟} قالوا: الله ورسولهُ أعلم. قال:{ذكرك أخاك بما يكره}, قالوا: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: {إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهتهُ} رواه مسلم.
ولذلك سعت امرأة العزيز للانتقام من نسوة مصر لكبريائها المجروح بنفس السلاح الذي جُرحت بسببه, وقد ثبت لنسوة مصر كيف أن امرأة العزيز غير ملومة بما اقترفت, بل إنهم وجدوا أن ما فعلتهُ امرأة العزيز هو أقل مما كانت سوف تفعلهُ أي واحدة منهن تحظى بعبدٍ بجمال وكمال يوسف عليه السلام. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لما عُرجَ بي مررت بقومٍ لهم أظفار من نُحاس, يخمشون وجوههم وصدورهم, فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم} رواه أبي داود في (سننه).
وقد خمشت السكاكين أيدي نسوة مصر وقطعت جلودها بإثم غيبتهُنَ غير الصحيحة لمرأة العزيز, وهذا من تعجيل عقوبة أهل الغيبة وخزيهم في الدنيا قبل الآخرة.
لطيفة:{ قومٍ لهم أظفار من نُحاس }
[من ظاهر هذا الحديث نعلم أن هؤلاء القوم هم عامة المُغتابين, ولكن من صفة هؤلاء القوم أصحاب الأظفار النحاسية, فإننا نستشف أن غالبية هؤلاء القوم هم من النساء, حيثُ أن عادة إطالة الأظفار وطليها وصقلها بمختلف الألوان والمواد هي من أفعال النساء, لذا فهُن أكثر تهيأً لخمش وجوههن وصدورهن من الرجال].
ومن ناحيةٍ أُخرى فإن ما قالتهُ نسوة مصر بحق امرأة العزيز كان في بداية الأمر غيبة لها, إلا أنهُ وبعدما وصلت أخبار جمال يوسف عليه السلام الذي بلغَ الإبهار إليهن فإن حديثهُن تحول إلى (نميمة) غير مُباشرة, وذلك أنهنَ سعين لإيصال مقولتهنَ وإسماعها لمرأة العزيز بغية استفزازها, لتعمل على إشباع فضولهن من خلال إتاحة الفرصة لهن لرؤية هذا الفتى ومعاينة موقفها منهُ عن كثب, والنميمة كما ذكرتُ هي في الأصل نقل القول إلى المقول فيه بغية استفزازه وتعكير مِزاجه.
والمفارقة العجيبة هنا هي أن هذا المشهد القرآني الذي نقل لنا صورة نسوة مصر وهُنَ يتناقلن ويتبادلن الكلام الجارح والاستفزازي بشغفٍ في حق امرأة العزيز في ذلك الزمان, يتشابه مع المشهد الذي نقلتهُ لنا السينما والتلفزيون المصري في هذا الزمان عن نساء مصر في المسلسلات والأفلام, حيثُ لا يكاد يخلو فيلم أو مسرحية أو تمثيلية من مشهد نسوة يتناقلن الكلام والشائعات بطريقةٍ استفزازية في حق بعض الشخصيات التمثيلية, فتقول بعض النساء للأخرى (يختي اسكوتي,, إنتي ما عرفتيش إن فلانة الفلانية عملت كده وكده, .. ) فترد عليها الأخرى: (دا صحيح يا يختي اللي آل "اللي اختشوا ماتوا" ما اكدبش).
ومن الناحية الرقمية فإن رقم الآية الكريمة التي ذكر الله فيها تناقُل خبر عشق امرأة العزيز ليوسف عليه السلام على لسان نسوة مصر هو (30), والعدد (30) هو من مضاعفات الرقم (ستة) الذي هو بمثابة الرقم المميز للنساء, وقد بينت سر هذه العلاقة المميزة بين الرقم ستة والنساء في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة من بحوث النساء, وإذا كان العدد (30) الذي هو رقم الآية الكريمة يمثل تكرار الرقم (ستة) على النحو التالي: (6+6+6+6+6 = 30), فإن خبر امرأة العزيز وفتاها العزيز يوسف قد انتقل من على لسان (ست) إلى (ست) إلى (ستٍ) أخرى وهكذا حتى شاع بين نساء المدينة المصرية وأهلها.
وفيما يلي ملخص قصير لقاعدة الرقم ستة لمن يريد البقاء معنا في هذا المقال على الأثير: (إن عدد حروف كلمات النساء و المرأة والإناث بما فيها أل التعريف يساوي ستة , وكلمة ستة تحتوي في أول حرفين منها على كلمة ست , وهي لفظ عامي لامرأة وجمعها ستات , والتاء المربوطة الباقية من كلمة ستة تستخدم للتأنيث أيضاً).
السُخرية والاستهزاء
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهُن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب, بِئْس الاسم الفسوقُ بعد الإيمان. ومن لم يتُب فأولئك هم الظالمون 11} سورة الحُجرات.
اللمز: عيب الناس وطعنهم بالقول, التنابُز: دعوة الناس بالألقاب التي يسوؤهم سماعها.
وثبت في الصحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنهُ قال: {الكِبر بطر الحق, وغمط الناس}, أي احتقارهم واستصغارهم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت, قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا, تعني قصيرة، فقال: {لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته}. قالت : وحكيت له إنسانا فقال : {ما أحب أن حكيت لي إنسانا وأن لي كذا وكذا} أخرجهُ الترمذي وأبو داود.
وعن أبي هريرة قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {المسلم أخوه المسلم ، لا يخونه ، و لا يكذبه ، و لا يخذله ، كل المسلم على المسلم حرام ، عرضه ، وماله ، ودمه ، التقوى ها هنا وأشار إلى القلب, بحسب امريءٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم} رواه الترمذي.
وقال عليه الصلاة والسلام: {ما من مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته} رواه أبو داود.
سب الحُمى
وكما نُهيَ عن سب المسلم وتحقيره فقد نُهي كذلك عن سب الحُمى لما لها من بركة في تكفير خطايا بني آدم, عن جابر بن عبد الله أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دخل على أم السائب أو (أم المسيب) فقال: {ما لك يا أم السائب (أو المسيب) تزفزفين}, قالت: الحُمى لا بارك الله فيها. فقال: {لا تسبي الحُمى فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يُذهب الكير خَبث الحديد} أخرجهُ مسلم. تزفزف: تتحرك حركة شديدة وترتعد.
الغناء
قال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليُضِلَ عن سبيل الله بغير علمٍ ويتخذها هُزُواً. أولئك لهم عذابٌ مُهين 6} سورة لقمان.
وعن أبي أُمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ، وأكل أثمانهن حرام ، وفيهن أنزل الله عز وجل علي (ومن الناس من يشتري لهو الحديث)} أخرجهُ ابن أبي حاتم, ورواه الترمذي وابن جرير.
ورى أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله تعالى – بعثني رحمة للعالمين ، وهدى للعالمين ، وأمرني ربي – عز وجل – بمحق المعازف ، والمزامير ، والأوثان ، والصلب ، وأمر الجاهلية ، وحلف ربي – عز وجل - : بعزتي ؛ لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر ؛ إلا سقيته من الصديد مثلها ، ولا يتركها من مخافتي ؛ إلا سقيته من حياض القدس} مشكاة المصابيح.
وقال الخليفة يزيد بن الوليد : (يا بني أمية إياكم والغناء ، فإنه يُنقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة ، وإنه لينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعل السُكر ، فإن كنتم لا بُدّ فاعلين فجنبوه النساء ؛ إن الغناء داعية الزنا). رواه البيهقي في شعب الإيمان .
والظاهر من هذه الأحاديث والأقوال المأثورة عن السلف الصالح رضوان الله عليهم, أن اتخاذ مجالس اللهو والمعازف التي يَعزفُ روادها فيها عن ذكر الله والآخرة, ويستغرقون في الطرب على أنغام الموسيقى, وتتأجج شهواتهم بمشاهدة الراقصات الكاسيات العاريات, ويعاقرون الخمر ويلعبون القمار ويهمون بالزنا, هو من الضلالة والصد عن سبيل الله حتى وإن لم يكن حاضري هذه المجالس والداعين إليها يظهرون عدواتهم للدين ويقصدونها, وذلك لأنهم يتسببون في غواية المؤمنين وأبناءهم وبناتهم ويحملونهم على ارتكاب المعاصي, قال تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 19} سورة النور .
ويتعاظم النهي عن المعازف والغناء في حال مارستهُ النساء, لما يكون فيه من مخالطة الرجال واطلاعهم على عوراتهن ومفاتنهن و وقوعهم عليهن بالسوء, وحتى لو كانت المغنية جارية (أمَة) فلا يجوز الاستماع إلى غنائها والاطلاع على عوراتها من أحدٍ غير صاحبها, ومغنيات هذا الزمان كثيرٌ منهُن, هُن أشباه وأخوات الجواري والإماء المغنيات في سالف الزمان وينزلن في حُكمهَن من التحريم, فُهن إنما يُتاجَر بصوتِهن وصورتهن ويُمتهَنَ من أجل المال في سوق الغناء والرقص, إضافةً إلى ما يتسببن بهِ من شيوع المفاسد ونشر الفتن, وتتسع حلقة التحريم لتشمل جميع عناصر هذه التجارة من مغنيات, وعازفين, ومنتجين, ومصورين وغيرهم, ومن يشتري الأغاني ويبيعها, ومن يملأ عينيه وقلبه بالنظر والاستماع إليهن.
ويخرج من حكم التحريم غناء النساء في حضرة النساء أو محارمهَن من الرجال ومن تؤمن فتنته.
الحلف بغير الله واليمين الكاذبة
عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {من حَلَف بالأمانة فليس منا} رواه أبو داود.
وعن ابن عمر أنهُ أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه, فناداهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله وإلا فليصمت} رواه الشيخان.
وعلاج الحلف بغير الله يكون بالاسترجاع والتوحيد, فعن أبي هريرة رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): {من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى, فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه تعال أُقامرك فليتصدق} رواه الشيخان.
وأما اليمين الكاذبة التي يقصد بها ضياع الحقوق، أو يقصد بها شيء من الفسق والخيانة، فإنها تغمس صاحبها في نار جهنم، وهي من أكبر الكبائر، قال تعالي:{ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله، ولكم عذاب عظيم} [النحل: 94]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : { الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس} رواه البخاري.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن أول لعان كان في الإسلام ، أن هلال بن أمية قذف شريك بن السحماء بامرأته ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بذلك ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : {أربعة شهداء ، وإلا فحد في ظهرك . يردد ذلك مرارا، فقال له هلال : والله يا رسول الله ، إن الله عز وجل ليعلم أني صادق ، ولينزلن الله عز وجل عليك ما يبريء ظهري من الجلد ، فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان { والذين يرمون أزواجهم } إلى آخر الآية ، فدعا هلالا فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، والخامسة ، أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم دعيت المرأة ، فشهدت أربع شهادات بالله ، إنه لمن الكاذبين . فلما أن كان في الرابعة – أو الخامسة – قال رسول الله : { وقفوها فإنها موجبة } فتلكأت حتى ما شككنا أنها ستعترف ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت على اليمين فقال رسول الله : أنظروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضيء العينين ، فهو لهلال بن أمية ، وإن جاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين ، فهو لشريك بن السحماء . فجاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين ، فقال رسول الله : لولا ما سبق فيها من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن} صحيح النسائي.