فتنة الشيطان لحواء وآدم عليهما السلام
وسوف ينصبُ تركيزنا في هذا البحث على الحديث عن المثاني المُتضادين الزوجين الذكر والأنثى, ولفهمٍ جيد وصحيح لمَاهية العلاقة بين الزوجين, لا بد لنا من الرجوع إلى أصل هذه العلاقة والمُتمثلة بأول زوجين من البشر وهما آدم وحواء عليهما السلام, حيثُ أذن الله لآدم وزوجه حواء بدخول الجنة والاستمتاع بأكلها وشربها ولباسها, وهذه الجنة ليست هي جنة الخُلد التي وعد الله المتقين يوم القيامة كما أنها ليست جنةً عادية من جنان الدنيا, والظاهر أنها جنةً من جِنان الأرض كأن تكون غابةً خضراء فيها ثَمر وطيور وحيوانات وينابيع وأنهار وغيرها من أسباب العيش الرغيد, اقتلعها الله من مكانها في الأرض ورفعها إلى السماء, كما نتق عز وجل الجبل فوق رؤوس اليهود, {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنهُ ظُلة وظنوا أنهُ واقعٌ بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون 171} الأعراف. نتقنا: قلعنا ورفعنا.
وقد كانت الأرض حينها في أسوى خِلقة وأبهى حُلة وأنضر وجه, لم تتكدر بعد وتختل موازينها من ذنوب البشر وخطاياهم, فلا طير فيها يجرح, ولا كلب ينهش, ولا حية تعض, ولا ماء عَكِر, ولا مِزاج كَدِر, سهلة العيش كأنها جنة, ولولا أن هذه الجنة التي دخلها آدم وحواء عليهما السلام قطعةً أرضية عالية مُرتفعة في الأجواء, لما أذن الله لعدوه إبليس بدخولها وإغواء الزوجين آدم وحواء فيها, وذلك أن جنة الخُلد لا يدخلها فاسق مُبعد ومطرود من رحمة الله كإبليس, ولا يُفتتن فيها ويخرج منها عبدٌ ونبيٌ مُكَرَم كآدم عليه السلام, والدليل على أنها قطعة من الأرض أن الله أحَلَ فيها لآدم وزوجهُ وحَرَمَ وهذه هي شريعة أهل الأرض وخلفاءها, والمعلوم أن جنة الخُلد ليس فيها حلالٌ ولا حرام ولا شيطانٌ فَتَان. وبعد أن وقع آدم وزوجه في المعصية, أمَرَ الله الملائكة أن تُعيد هذه البُقعة إلى مكانها من الأرض وأن تُنقص من جمالها وثمرها وسلامها بقدر الخطيئة التي وقعت على ظهرها, وهبط مع هذه الجنة الأرضية من عليها من الجن والإنس وباعد وفرق الله بينهم, فَتَاهَ أحدهم عن الآخر لِما كان منهم من الاجتماع على معصية أمر الله, قال تعالى: {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض ٍ عدو}.
ولنعود الآن بعد هذا البيان لأول جنةٍ سكنها الإنسان إلى النقطة الجوهرية في هذا البحث, وهي قصة افتتان آدم وحواء عليهما السلام تحت وطأة وساوس الشيطان, وكنتُ قد ذكرت و وضحتُ في الجزء الأول من هذه السلسلة من بحوث النساء, أن الله خلقَ حواء من ضلع آدم وجعلها أُنساً وسكناً لنفسه, وأنَ حواء عليها السلام إنسانٌ مخلوق من إنسان, وإنسانيتها المُضاعفة هذه تجعلها فريسةً سهلةً للضعف والنسيان, وقد وجد إبليس الخبيث في أمنا حواء كثيرة النسيان ضالتهُ المنشودة للانتقام من آدم عليه السلام, وجعلها مدخلاً لهُ للوصول إلى أملهِ وغايته, فتربص بها حتى إذا أحس منها أنها نسيت أمر الله ونهيهُ لها وركنت إلى ما هي فيه من رغد العيش, زيَنَ لها المعصية و وعدها وهو كذوب بمُلكٍ لا يقلُ ولا يذوب, ولما نسيت حواء وسارت في ركب الشيطان دعت آدم إلى المعصية فلحقها فكانت عاقبتهما الندم والخسران, ولولا أن آدم عليه السلام تعرض لإلحاح زوجتهُ حواء ومعها وسواس الشيطان لما نسي أمر الله وباءَ بالغضب والحرمان, وكما جاء في تفسير ابن كثير عن ابن جرير عن ابن عباس أنهُ قال : (لما أكلَ آدم من الشجرة قيل لهُ : لما أكلت من الشجرة التي نهيتُك عنها ؟ قال حواء أمَرتني, قال : فإني قد أعقبتُها أن لا تحمل إلا كُرهاً ولا تضع إلا كُرهاً, قال : فرنت عند ذلك حواء, فقيل لها : الرنة عليك وعلى ولدك).
رَنَتْ حواء أي صَاحتْ اعتراضاً على أمر الله , فردَ اللهُ سبحانهُ وتعالى عليها بأن الصيحةَ عليك وعلى أبنائك من ذرية آدم , وقد حقت كلمة الله على الأم حواء وولدها, فنجدها يعلو صوتها بالصراخ عند المخاض والولادة, فإذا خرجَ وليدها من بطنها أعقبها في ذلك واستهل ظهورهُ الأول بالصياح والبُكاء, وكذلك فإن الصيحة حق على بني آدم في موضعين آخرين هما صيحة العذاب التي يُرسلها الله على القُرى الفاسقة , والصيحة الثانية هي نفخة بوق إسرافيل عليه السلام التي تقوم عليها القيامة.
وأما عن حقيقة الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام فهي مما لم تُبينهُ السُنة والقرآن, وأظنُ أنها على خلاف ما ذهب إليه المجتهدين من الأئمة والعلماء, وإنما هي رمزٌ وكنايةٌ عن شيءٍ آخر لا يسعني المقام لذكره في هذا البحث القصير, وسأوضحهُ بإذن الله في بحثٍ ومقامٍ آخر بتفصيلٍ أكثر مع بيان الدليل, {ولتَعلَمُنَ نبأهُ بعد حين 88} ص.
وعلى كل حال فقد صدر قضاء الله الذي لا يُرَد بخروج آدم وحواء من رغد العيش وهبوطهما إلى مكانهما الطبيعي في الأرض, وألقى الله إلى آدم وحيهُ الأول بعد معصيتهِ لأمرهُ, ليعلم أن ربهُ إنما يُريد أن يُجازيه على معصيته ولا يريد أن يُبعدهُ ويطردهُ من رحمتهِ كعدوهِ إبليس, وذلك لأن معصية آدم عليها السلام كانت جهلاً ونسيان, بينما كانت معصية الشيطان كِبراً وحسداً للإنسان, ولولا أن آدم عليه السلام اعترف بخطئهِ وطلب المغفرة والرحمة لما تاب الله عليه وألقى إليه الوحي, قال تعالى: {.., وناداهُما ربُهُما ألم أنهكُما عن تلكُما الشجرة وأقُل لكُما إن الشيطان لكُما عدوٌ مُبين 22 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَ من الخاسرين 23} الأعراف.
ولولا أن الشيطان اعتذر بما هو أقبحُ من ذنبهِ وأصرَ على كِبره لَما لعنهُ الله وأنظرهُ ليكون فتنة لمن سواهُ من الجِنةِ والإنس أجمعين, قال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ 75 قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ 76 قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ 77 وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ 78 قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 79 قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ 80 إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ 81 قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 82} من سورة ص.
لطيفة: إن اسمُ هذه السورة هو حرفٌ من حروف اللغة العربية يكتبُ هكذا (ص), ويُلفظ هكذا (صَاد), و(صَاد) هو اسم فاعل من الفعل (صَدَ) ومعناهُ المُعرض عن الأمر والمانع والصارفُ عنهُ, ولا عجب أن اسم هذه السورة يُطابق مضمونها, فأولها ذكرٌ للكافرين والمُكذبين الذين (صدوا) رسول رب العالمين وأعرضوا عنهُ وصرفوا عنهُ الناس, وآخرها ذكرٌ لسيد وأول (الصَادِين) عن أمر رب العالمين والصارفين لغيرهم عنهُ من الجنة والناس أجمعين وهو إبليس اللعين.
تابع الموضوع: والكلمات التي أوحى الله بها إلى آدم لتكون لهُ نوراً وبياناً هي : قال تعالى: {قالَ فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تُخرَجون 25} الأعراف, وهذه هي الخطوط الأساسية والعريضة لحياة آدم الجديدة على الأرض, وعلمهُ الله فيها الحياة والموت والنشور, ولكن هذه الكلمات لم تشفِ غليل آدم عليه السلام الذي يخشى دوام العهد من الكَدِ والحرمان, فأوحى الله إليه ولذريتهُ أجمعين سبيل الخروج من الشقاء إلى النعيم, وأنهُ لا يخلُدُ في العذابِ والجحيم سِوى الكافرين والمُكذبين من أتباع إبليس اللعين, قال تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعاً, فإما يأتينكم من هُدىً فمن تَبِعَ هُداي فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون 38 والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 39} البقرة.
لطيفة: إن قول الله تعالى في الآيتين رقم 36 من سورة البقرة و24 من سورة الأعراف متشابه تماماً باللفظ : {اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدو, ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين}, والآية التالية من سورة البقرة قال الله فيها : {فتلقى آدم من ربهِ كلماتٌ فتاب عليه. إنهُ هو التواب الرحيم 37}, والآية التالية من سورة الأعراف فيها قول الله عز وجل: {قالَ فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تُخرَجون 25}, وهذه هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه والمُشار إليها في الآية 37, وما جاء في الآيتين 38 و39 من سورة البقرة هو تتمة هذه الكلمات.
تتمة الموضوع: وأما عن إلقاء الله لكلماته وخبرهِ إلى آدم دون حواء, فهو لآن آدم هو أول الخلق وهو الذي سيكون القيم على حواء في الأرض ورسول الله إليها وإلى أبنائها, ولأن آدم كان الأقل تَلَبُساً في الوقوع بتلك المعصية والأكثر ندماً على فعلها, فآثرهُ الله على حواء بما أنزلهُ عليه من كلماتٍ فيها بُشرى لهُ ولذريتهُ بأن باب الله مفتوحٌ لهم إن هم اهتدوا بهديهِ.
ومنذُ ذلك الحين لم يزل الرجل هو نبي الله ورسولهُ إلى المرأة والقوامُ عليها, يُخبرها بكلام الله ومُرادهُ من عباده, ويُبشرها برحمتهِ ويُنذرها من سخطهِ وعِقابه, وفي صلاح الرجل وهُداهُ صلاحُ حال حواء وهُداها, وفي ضلاله وفِسقهِ عن أمر الله ضلالها وفسوقها, وقد خصصتُ هذا البحث لبيان مكائد ومصائد الشيطان في فتنة بني الإنسان, والتي تعتمدُ في غالبيتها على النساء كَطُعمٍ مُجرب وفعال في الإيقاع بالرجال, ليعلم الرجال في أي الأحوال تصير النساء اللواتي خلَقَهُن الله سكناً لنفوسهم فتنةً ووبال, ولتعلم النساء نقاط ضَعفِهنَ ومداخل الشيطان إليهِنَ فلا تقعنَ فريسةً سهلة أمام هذا الضعف الإنساني والوسواس الشيطاني.
وفيما يلي بعض الأمثلة على فتنة الشيطان والنسوان بأسلوبٍ مشوقٍ وفريد, مُستمد من آيات الرحمَن وأحاديث النبي العدنان عليه الصلاة والسلام, مع ذكر بعض اللطائف والفقرات المُستنِدة إلى لغة الأرقام.