مدونة ولي الدين .. المؤيد بالحُجج والبراهين 


إمام الشهداء الحسين ابن فاطمة الزهراء

تشرين الثاني 14th, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب المهدي المنتظر, كوكب قصص الأنبياء والصالحين

   

بسم الله الرحمَن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خير النبيين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ هذا هو مسك الختام لمقالات ومواضيع مدونة (ولي الدين والمسبار السحري), وذلك قبل خروجي لأداء خامس فريضة من فرائض الإسلام, ويتجدد موعدنا في هذا المقال مع أئمة آل البيت الكرام عليهم وعلى جدهم النبي الكريم أفضل الصلاة وأتم التسليم, وذلك بعد أن كنت قد تحدثتُ في مقالين سابقين عن الفرع الهاشمي وارف الظلال الإمام أحمد الرفاعي بن الحسين بن فاطمة الزهراء عليهم صلوات الله وسلامه جميعاً, وفي هذا المقال سأنتقل من الحديث عن فروع شجرة آل البيت الطيبة الكريمة ممثلةً بالإمام الثالث عشر أحمد الرفاعي قدس الله سره, إلى الحديث عن أصولها ممثلةً في الإمام الثالث الحسين بن علي وفاطمة الزهراء بنت النبي عليه وعلى أمه وأبواه صلوات الله وسلامه ورضاه.
ورغم مقامه العظيم من جده الكريم عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين إلا أن كثيراً من الناس عن مآثره وفضله لغافلين, بل إن بعض الناس في زماننا هذا ربما لا يعرف حتى من هو الحسين, إذ أن معارف غالبية المسلمين تتوقف عند حد معرفة النبي الكريم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين, وذلك لارتباط عهدهم بتنَزُل القرآن والشرائع والسنن الواجب على كل مسلم معرفتها, وأما معرفة أبناء وأتباع هذه القافلة المُباركة من السابقين الأوليين وسيرتهم فإنها تكاد تقتصر على طلاب العلم والمتزودين منه, وأما عامة المسلمين فإنما هم متلقين لثقافة وعلوم مجتمعاتهم الشعبية والرسمية, ممثلةً بالمناهج الدراسية ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية, وهذه الوسائل رغم فاعليتها إلا أنها محدودة ومُسيسة ولا تتسع لاستيعاب الإرث الكبير لهذه الأمة, ولكن بعد ظهور القنوات الفضائية الخاصة وتوالي الأعمال والإنتاجات الفنية, وكذلك بزوغ نجم شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت), ازدادت رقعة معارف المسلمين بسير التابعين والأئمة المهديين, وقد نال الإمام الحسين عليه السلام سهمٌ عظيم في إظهار فضله وسيرته وجهاده عبر الكثير من هذه القنوات والمواقع الإلكترونية التي يملكها أتباع وأنصار آل بيت النبوة الكرام.
 عن أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام, قال: {إذا هُدم حائط مسجد الكوفة، مما يلي دار عبد الله بن مسعود، فعند ذلك زوال ملك القوم، وعند زواله خروج المهدي} من كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر, الباب الرابع, الفصل الأول, فيما يظهر من الفتن الدالة على ولايته.
ولقد نما ذكر الإمام الحسين عليه السلام وازداد ظهوره بعد زوال نظام الرئيس العراقي صدام حسين, إذ أن غالبية شيعة الإمام الحسين هم من بلاد الرافدين, تلك البلاد التي شهدت نهاية مسيرته البطولية وكذلك أبوه الفتى عَلي وغيرهم من الأئمة أصحاب السيرة المهدية, حيثُ برزت التظاهرات والتجمعات الشيعية في الساحة العراقية, والتي أصبحت مدعومة من أكبر المناصب السياسية, ومع مرور السنوات وتكرار مشاهد ومظاهر إحياء شيعة أهل العراق للمناسبات المرتبطة بمولد أو وفاة أحد أئمة وسادات آل البيت عليهم أفضل الصلوات, وبشكلٍ خاص الشهيد ذو الصولات والجولات الإمام الحسين بن فاطمة الزهراء, صار الناس على درايةٍ بسيرة الإمام الحسين وجهاده واستشهاده وحفظوها عن ظهر قلب, وقد عززت أعمال العنف التي كانت تصاحب إحياء الشيعة لهذه الذكريات والمناسبات من معرفة الناس ودرايتهم بها, لأن أنظار الناس وأسماعهم وللأسف أصبحت لا يشبعها ويسد ظمأها سوى مشاهدة الكوارث والمصائب وأنهار الدم, وهكذا فإن وسائل الإعلام أضحت تهتم بمتابعة هذه المناسبات وإعداد العدة لتغطيتها يوماً بعد يوم, عن حذيفة، رضي عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تكون وقعة بالزوراء. قالوا: يا رسول الله، وما الزوراء؟ قال: مدينة بالمشرق، بين أنهار، يسكنها شرار خلق الله، وجبابرة من أمتي، تقذف بأربعة أصناف من العذاب، بالسيف، والخسف، والقذف، والمسخ } عقد الدرر, الباب الرابع, الفصل الثاني, وفيه الخسف بالبيداء وحديث السفياني.
[ الزوراء: هو اسم مدينة بغداد عاصمة العراق, والزوراء في هذا الحديث كنايةً عن مزارات الأئمة في أرض العراق عامة وأوقات زيارتها. شرار خلق الله: هم من دخلها من جيوش المرتزقة الذين جاؤوا ليملئوا بطونهم من لحوم ودماء أبناء العراق. جبابرة من أمتي: هم الظالمين لأنفسهم من هذه الأمة, المنتهكين حرمة الناس دماءهم وأموالهم. وقد أضحت أرض العراق ساحةً للمُراق وشرار الخلق من شياطين الإنس والجن الذين يعيثون فيها الفساد, وتتكرر المشاهد الدامية وصور الجثث المحترقة والأشلاء في سائر أرض العراق منذ أن دخلتها القوات الدولية, وخاصةً خلال المناسبات الشيعية وقرب مزارات الأئمة الكرام وعندها وفيها. السيف, في هذا الزمان يشبهه (الرشاش والبندقية), والخسف, يكون بالعبوات الناسفة والسيارات المفخخة, والقذفُ, بالمدافع وأسلحة (آر بي جي), والمسخُ, هو الإنسان الملغوم الذي ينسل بين جموع البشر ويُفجر نفسهُ, وكل هذه الوسائل تستخدم يومياً وعلى نطاقٍ واسع في أرض العراق, عافاها الله وحمى المسلمين فيها من تبعة المُراق].     
وإن ظهور ذكر الإمام الحسين عليه السلام وسائر أئمة آل البيت الكرام في هذه الأيام ليس محض صدفة, ولكنهُ تمهيداً من الله الرحمَن إيذاناً بظهور أمر الإمام المهدي عليه السلام, عن أبي جعفر عليه السلام قال: {يظهر المهدي في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي، عليهما السلام، وكأني به يوم السبت العاشر من المحرم، قائم بين الركن والمقام، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وتصير إليه شيعته من أطراف الأرض، تطوي لهم طياً، حتى يبايعوه، فيملأ بهم الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً} عقد الدرر, الباب الرابع, الفصل الأول, فيما يظهر من الفتن الدالة على ولايته.
{يظهر المهدي في يوم عاشوراء}: لقد جاء في أقوال أخرى مأثورة ومشهورة أن المهدي عليه السلام يُبايع في أعقاب حوادث مؤلمة تحدث بعد نزول الناس من عرفات إلى منى وخاصةً في أيام رمي الجمرات, وهذا يكون في شهر ذي الحجة, ويتبع تلك البيعة الأولية مبايعات أخرى تُبنى عليها من مختلف القبائل والمذاهب, ومن ضمنها بيعة شيعة أهل العراق وغيرهم الذين سوف يخلعون ثوب الحزن والألم في يوم مقتل الحسين عليه السلام, ليلبسوا ثوب الفرح والسرور باستقبال مجيء أخوه المهدي خاتم أئمة الإسلام, وليتحول سيرهم ومسيراتهم في تلك الأيام من ضريح ومزار الشهيد الحسين إلى مُقام الشهيد الحي المهدي عليهما السلام.
وكذلك فإن قول أبي جعفر عليه السلام: {يظهر المهدي في يوم عاشوراء}, له دلالة أخرى فيها بِشارة, لأن كلمة ظهور في لغة العرب لها مَعانٍ أخرى غير معنى (التبيُن), ومن ضمنها (الغلبة والانتصار), كقولهم: ظَهرَ محمد على قريش, أي غلبها وأخضعها, وكما في قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهرهُ على الدين كله ولو كره المشركون 9} سورة الصف, ولقد ورث أبناء الإسلام حسرةً وحزناً في يوم عاشوراء الذي قُتل في الحسين وأصحابه الأبرار, لن يخرج من قلوبهم إلا بيومٍ كيوم موسى بن عمران عليه السلام, ولعل الحسين وأصحابه (رحمة الله وسلامه عليهم) قد آثروا إخوانهم المهدي وأصحابه بالنصرة الربانية وادخروها لهم ليحصدوها في يومٍ أصعب من يومهم, وفي قتال قومٍ أكثر شراً على الأمة من القوم الذين قاتلوهم, ولعلمهم ودرايتهم بأن من سيخلفونهم وراءهم من أبناء أمة الإسلام في آخر الزمان هم أكثر قلةً وأشد احتياجاً منهم لتدَُخل يد ومشيئة الرحمَن, وذلك لعظيم الفتن وكثرتها وشدة الأهوال والبلاء, عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: {يا جابر، إلزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً، حتى ترى علامات أذكرها لك، إن أدركتها؛ أولها اختلاف بني العباس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدث به بعدي، وينادي مناد من السماء، يحكم الصوت من ناحية دمشق الأيمن، ومارقة تمرق من ناحية الترك، ويعقبها هرج الروم، وتنزل الترك الجزيرة، وتنزل الروم الرملة، فتلك السنة يا جابر فيها اختلاف كثير في كل أرض.ويختلف في أرض الشام ثلاث رايات، راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني فيلقى الأبقع فيقتتلون، فيقتله السفياني ومن معه، ثم يقتل الأصهب. ثم لا يكون لهم هَم إلا الإقبال نحو العراق، وتمر جيوشه بقرقيسيا، فيقتتلون بها، فيقتل من الجبارين مائة ألف. ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة، وعدتهم سبعون ألفاً، فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً.
فبينما هم كذلك إذ أقبلت رايات من خراسان، تطوي المنازل طياً حثيثاً، وهم نفر من أًصحاب المهدي، عليه السلام، فيخرج رجل من موالي أهل الكوفة، في ضعفتها فيقتله أمير جيش السفياني بين الكوفة والحيرة. ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة، فينفر المهدي منها إلى مكة فيبلغ أمير جيشه السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة، فيبعث جيشاً على أثره، فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفاً يترقب، على سنة موسى بن عمران، عليهما السلام. وينزل أمير جيش السفياني بالبيداء، فينادي منادٍ من السماء: يا بيداء أبيدي القوم. فيخسف بهم، فلا يفلت منهم إلا ثلاث نفر، يحول الله تعالى وجوههم إلى أقفيتهم، وهم كلب.قال: فيجمع الله تعالى للمهدي أصحابه، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، يجمعهم الله تعالى على غير ميعاد وقزع كقزع الخريف، فيبايعونه بين الركن والمقام.قال: والمهدي، يا جابر، رجل من ولد الحسين، يصلح الله له أمره في ليلة واحدة} عقد الدرر, الفصل الثاني, وفيه الخسف بالبيداء وحديث السفياني.
وقد أراد الحسين عليه السلام من خروجه وأهله وأصحابه واحدة من اثنتان, إما أن يكيفه الله شر القوم وينصرهُ ويُعينهُ على تقويم الاعوجاج وإقامة خلافة عادلة على سُنة جَدِه المصطفى ومحََجَته البيضاء التي ترك الناس عليها, وإما أن يستشهد في سبيل ما خرج من أجلهِ غير متأسفٍ على دنيا يفارقها, ولو أن الحسين لم يبادر بالخروج لمَا أمن أن يبادِرَهُ جنود الخليفة وأمراءه ويحاصروه يستخرجوه وهو قاعداً بين أهله, ولو أن الحسين رضي بمبايعة يزيد على الخلافة وهو يعلم أنهُ ليس كفؤاً لولاية أمر المسلمين, لكان كمن يخون نفسه وقومه وأمته , ولحَمَل رضاه الخليفة يزيد وأمراءه على الاستبداد واستمراء الرعية بمن فيهم من بقي من الصحابة الكرام.
وما الحسين عليه السلام ممن قتلوهُ من أخوة الإسلام إلا كمثل هابيل المََرْضي طيب النفس من قاتله أخيه قابيل المُعاند خبيث النفس, وكما أن قابيل كان أول من سن سُنة القتل لجميع ولد آدم, فإن هؤلاء القتلة الخائبين كانوا أول من يستبيح دماء أحفاد النبي عليه الصلاة والسلام وخلفاءه في أمة الإسلام ويهتكوا حرمتهم في وضح النهار, وإثمُ كل من حمل سيفاً ظُلماً وعدواناً في وجه إمامٍ أو فردٍ من آل بيت النبي (عليه الصلاة والسلام) بعدهم يُكتب في صحائفهم لا يُنتقص من إثم فاعله شيء, لأن من سيجترئ على مثل هذا الفعل بعدهم سوف يستأنس بجريمتهم العظيمة ويبني جُرمهُ عليها. وإن قصة جهاد الحسين واستشهاده الأليم هي إيذاناً بأن الخبيث قد بدأ يطغى على الطيب في هذه الأمة, وأنا خلافة النبي عليه الصلاة والسلام وحُرمتهُ وآل بيته قد وهنت وخَبت في نفوس أبناء الإسلام بانتهاكها من جهة, أو في عدم الحمل على من ينتهكها وإيقافه من الجهة الأخرى.
 والحسين عليه السلام كما سائر الشهداء حيٌ عند العزيز الرحمَن, ولا يزال عمله وعلمه وبره وإحسانه كالنهر الجاري لا ينقطع, ولا تزال دماءهُ الزكية تفور وروحه النقية تثور كلما تكاثر الباطل وأهلهُ في هذه الأمة, وها نحنُ في هذه السنوات الأليمة نعيش واحدة من انتفاضات الحسين عليه السلام لتطهير أمة الإسلام من الرجس والدنس الذي أصابها, وها هي العراق أرضُ الشهيد الحسين تشهد على حالة التخبط والفساد والضياع الذي تعيشه الأمة جمعاء, و لن تسكن دماء الحسين عليه السلام وتهدأ روحه, ولن يرفع البلاء عن أهل العراق, ولن تستعيد هذه الأمة عزتها وكرامتها, حتى يأذن الله بخروج من تسكن ثائرة الفتن على يديه وهو الإمام المهدي, فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ق

المزيد


سلام رب البَرِيَة على يَحيى بن زكريا

تشرين الثاني 12th, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب إعجاز القرآن والسُنة, كوكب قصص الأنبياء والصالحين

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين . والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين , وعلى آله وصحبه الغر الميامين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد ؛ هذا هو البحث الثاني من سلسلة بحوث قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , والتي أُركز في أسلوب سردي لها على بيان وجوه الإعجاز القرآني ودلائل النبوة في الآيات والأحاديث المرتبطة بالنبي صاحب القصة , وذلك من خلال الربط والاستنباط واستشفاف المعاني الخفية والحِكم الربانية , ليزداد اليقين والإيمان بأن هذا القرآن نزل من العزيز الرحمَن على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام , وأنهُ صالحٌ لكل زمان ومكان .
وقد وفقني الله سبحانه وتعالى في هذا البحث إلى معرفة حِكماً جليلة من أسرار الآية الثالثة عشر من سورة البلد , قال تعالى : {فكُ رقبة 13} , مرتبطة بشخصية النبي يحيى بن زكريا عليهما السلام واستشهادهُ , بالإضافةً إلى كشف أسرار السلام الذي جاء عليه في القرآن, وقد سبق أن قدمت ثلاثة أبحاث مختلفة في تفسير هذه الآية القرآنية العظيمة, راجياً من المولى تبارك وتعالى أن يجعل في هذا البحث فتحاً ونصراً لدينه وقرآنه العظيم , وأن ترجح به موازين أعمالي في يوم الدين .       
 
 
 
الشهيد يحيى عليه السلام
 قال تعالى : {يا زكريآ إنا نبشركَ بغلام ٍ اسمهُ يَحيى لم نجعل لهُ من قبلُ سمياً 7} مريم.
النبي يحيى عليه الصلاة والسلام ولي بني إسرائيل ورجلٌ مهدي من الرعيل الأخير الذين ختمَ الله به دين بني إسرائيل, الديانة اليهودية والأسفار التوراتية التي بدأها الله بموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام.
يحيى عليه الصلاة والسلام هو النبي الزاهد الناسك الذي مَلكَ الدنيا بعلمه وفهمه وملأها بالمحبة والحنان هديةً من الله الواحد المنان ، أحبه الناس وأحبته الطيور والوحوش والصحاري والجبال ، ثم أُهدر دمهُ الطاهر لكلمة حق قالها في بلاط ملك ظالم بشأن أمر يتعلق براقصة سافلة. 
 قال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن شمر بن عطية قال‏ :‏ قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا ً، منهم يحيى بن زكريا عليهما السلام .
 
* وقد ذكرت الآثار التاريخية والسندية التي رُويت عن قصة استشهادهِ عليه السلام  أن سالومي طلبت من عمها هيرودانتيباس أن يقدم رأس يوحنا المعمدان النبي على طبق لأمها هيروديا إرضاء لها وخلاصا من نقده لها بعد أن عارض يوحنا ذلك الزواج لأن فيليب العم كان على قيد الحياة. حقق انتيباس ما أرادته ابنة أخيه رغم معارضته في بداية الأمر , وكان ذلك في يوم عيدهم الذي يجتمعون فيه في كل عام ، وكانت سُنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب‏ في ذلك اليوم , وذبح أجناده يحيى عليه السلام في طشت وحملوا رأسه ودمه إليها ,‏ فوضع بين يديها ، فلما أمسوا خسف الله بالملك ، وأهل بيته وحشمه , فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل ‏:‏ قد غضب إلَاه زكريا لزكريا ، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا‏‏ . وقد ورد معنى هذه الرواية في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه المبتدأ , وروى أصل هذه القصة الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن الزبير , وروى أيضا من حديث ابن عباس : {أن دم يحيى كان يفورحتى قتل عليه بختنصر من بني إسرائيل سبعين ألفا فسكن}. [من كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري]. 
 
 وتشير معظم الدراسات التاريخية والأثرية إلى أن نهاية حياة النبي يحيى عليه السلام كانت عن عمرٍ يناهز الثلاثين عاماً, وله مقامٌ في بلدة مكاور في الأردن أو ما يعرف بـالمشنقة , على رأس جبل مكاور الشاهد الديني العتيق الذي يطل على البحرالميت والقدس , بالقرب من مغطس السيد المسيح عليه السلام .
 

ويعتبر مقتل النبي يحيى عليه السلام وقطع رأسه , وهو من أنبياء بني إسرائيل قتلة الأنبياء , على الصخرة التي عرج منها سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في الحرم القدسي الشريف , دليلاً إضافياً يؤكد صحة تحليلنا لمعنى الآية { فك رقبة 13 } , في بحث آية تحرير قبة الصخرة المشرفة , ولمزيد من التثبت سأقدم فيما يلي دلالات ثمينة لإثبات العلاقة المتينة بين مقتل يحيى عليه السلام صاحب الشهادة العظيمة وهذه الآية الكريمة :

 
* إن رقم الآية الكريمة { فك رقبة 13 } هو ثلاثة عشر , ولو قمنا بضرب الرقمين ثلاثة وعشرة فإن النتيجة تكون ثلاثين , 3× 10 = 30 , وهو عمر سيدنا

المزيد


ذبيح المنام إسماعيل عليه السلام

تشرين الثاني 12th, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب إعجاز القرآن والسُنة, كوكب قصص الأنبياء والصالحين

بسم الله الرحمان الرحيم           

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيد ولد إسماعيل , سيدنا محمد وآله وصحبه خير الخلق أجمعين . أما بعد ؛ هذا هو البحث الثاني في بيان الإعجاز القرآني في تفسير معاني الآية الثالثة عشر من سورة البلد , قال تعالى : {فكُ رقبة 13}. حيثُ كان التفسير الأول لهذه لآية الكريمة في بحث التفسير الحديث في شرح أزمة الخليج. سيدنا أسماعيل فرع العرب والمسلمين من ولد إبراهيم عليهما الصلاة والسلام أجمعين , هو سيد هذا الجزء من البحث في معاني ودلالات آي الذكر الحكيم , وبشكل خاص الآية محور الأبحاث التي خضعت لها رقاب العباد .

الذبيح إسماعيل عليه السلام  

قال تعالى : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ من الصابرين 102 فلما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 103 وناديناهُ أن يا إبراهيم 104 قد صدقت الرؤيا . إنا كذلك نجزي المحسنين 105 إنَ هذا لهوَ البلاءُ المبين 106 وفديناهُ بِذِِبح ٍ عظيم 107} سورة الصافات .

لطائف التفسير : 

  {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ من الصابرين 102}   

رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام في منامه أنه يذبح ولده , ورؤيا الأنبياء وحي من عند الله لا بدُ أن يتحقق , فعرف إبراهيم من الرؤيا أنه مأمور بذبح ِ ولده فلذة كبده , وكان إسماعيل قد بلغ السعي أي شبَ وأصبح يسعى مع أبيه ويعينه ، وقيل في كتب التفاسير مثل القرطبي والجلالين  أنه كان ابن ثلاث عشرة عاما عندما أُمر أبوه بذبحهِ , وهو نفس رقم الآية {فكُ رقبة 13} والتي تعني لفظياً فصل الرقبة عن الجسم , وبالعودة إلى آية الذبح أعلاه فإننا لو قمنا بجمع العددين 1 و2 في رقم الآية 102 مع بقاء الصفر الذي بينهما , يصبح الرقم 30 وهو يساوي ثلاث عشرات , ثم نضيف حرف التاء الذي في آخر عشرات إلى ثلاث فيصبح الرقم ثلاثة عشرا , وكما هو معلوم فإن حركة الفتح تحل مكان حرف الألف وتُماثله في المعنى والإعراب , لذلك نستبدلها به ونضعها في نهاية كلمة ثلاثة , فيصبح رقم الآية ثلاثةَ عشر مشابهاً لرقم آية {فكُ رقبة 13} , وهو عُمر سيدنا إسماعيل عليه السلام عندما تعرض لحادثة الذبح والفداء , وفي هذا دلالة على إعجاز قدرة الباري سبحانه وتعالى في نسج آيات كتابه الحكيم  بشكل مترابط بالمعاني اللفظية والحقيقية , ومتناسق ودقيق بالترتيب العددي لآياته التي نزلت على مدار 23 سنة بأوقاتٍ ومناسباتٍ مختلفة   .

     {فلما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 103} 

       عنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : { لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَان عِنْد السَّعْي فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى جَمْرَة الْعَقَبَة فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَان فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات حَتَّى ذَهَبَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات وَثَمَّ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ ..}  [تفسير ابن كثير] .

وفي هذه الآية  توافق عجيب مع تتابع الآيات الكريمة التالية ومعانيها : {فلا اقتحمَ العقبة 11 وما أدراك ما العقبة 12 فكُ رقبة 13} , من سور

المزيد


وليد الحيتان يونس عليه السلام

تشرين الثاني 11th, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب إعجاز القرآن والسُنة, كوكب قصص الأنبياء والصالحين

 

بسم الله الرحمَن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه النبيين , أما بعد ؛ قال تعالى : {وإنَ يونس لمن المرسلين 139 إذ أبَقَ إلى الفُلك المشحون 140 فساهم فكان من المدحضين 141 فالتقمهُ الحوت وهو مُليم 142 فلولا أنهُ كان من المُسبحين 143 للبث في بطنهِ إلى يوم يبعثون 144 فنبذناهُ بالعراءِ وهو سقيم 145 وأنبتنا عليه شجرةً من يقطين 146 وأرسلناهُ إلى مِئة إلفٍ أو يزيدون 147 فآمنوا فمتعناهم إلى حين 149} سورة الصافات.

جاء في الصحيحين عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنهُ قال : {ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خيرٌ من يونس بن متى}. وقد بعث اللهُ يونس عليه السلام إلى أهل نينوى, وهي قرية من أرض الموصل, فدعاهم إلى الله تعالى, فأبوا عليه, وتمادوا على كفرهم, فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم, ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث, فلما تحققوا منهُ ذلك وعلموا أن النبي لا يكذب, خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم, ثم تضرعوا إلى الله عزوجل, وجأروا إليه فرفع الله عنهم العذاب, قال تعالى : {فلولا كانت قريةً آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين 98}يونس.

وأما يونس عليه السلام فإنهُ ذهب فركب مع قوم في سفينة, قال تعالى : {إذ أبَقَ إلى الفُلك المشحون} وهي السفينة المملوءة بالأمتعة, فلججت بهم السفينة وتلاعبت بها الأمواج من كل جانب, وأشرفوا على الغرق.

لطيفة: إن هذا الموقف الذي تعرضت لهُ السفينة التي كان سيدنا يونس عليه السلام على متنها , مذكور بنص القرآن بمعنىً عاماً مشابهاً في السورة التي تحمل اسمهُ (سورة يونس) , قال تعالى : {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفُلك وجَرينَ بهم بريحٍ طيبةٍ وفرحوا بها جاءتها ريحُ عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أُحيط بهم دعوا الله مخلصين لهُ الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكوننَ من الشاكرين 22}.

تابع القصة: وبعد أن أشرفت السفينة على الغرق في البحر , اقترع ركاب السفينة على رجل يلقونهُ من بينهم يتخففون منهُ , فوقعت القرعة على يونس, فأبوا أن يلقوهُ, ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً, فأبوا, ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً, قال تعالى : {فساهم فكان من المدحضين} أي قارع فكان من المغلوبين, فقام عليه السلام وتجرد من ثيابه, ثم ألقى نفسه في البحر, وقد أرسلَ اللهُ حوتاً يشق البحار, حتى جاء فالتقم (يونس) حين ألقى نفسهُ من السفينة, فأوحى الله إلى ذلك الحوت : {أن لا تأكل لهُ لحماُ ولا تُهشم لهُ عظماً , فإن يونس ليس لك رزقاً , وإنما بطنك تكون لهُ سجناً}, وذهب الحوت وطاف بيونس البحار كلها حتى انتهى به إلى قرار البحر, ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنهُ قد مات, ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافهُ, فإذا هو حي, وسمع يونس تسبيح الحصى في قرار البحر, فقام فصلى في بطن الحوت, وكان من جملة دعائه: ((يا رب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يبلغهُ أحد من الناس)), ودعا بدعوته المشهورة التي قال (صلى الله عليه وسلم) فيها : {دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت {لا إلَه إلا آنت سبحانك إني كنت من الظالمين}, فإنهُ لم يدعُ بها مسلم ربهُ في شيء إلا استجاب لهُ}(1). وروى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رضي الله عنهُ-يرفعه- : {إن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا لهُ أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت, فقال: اللهم لا إلهَ إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين, فأقبلت الدعوة تحن بالعرش, قالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة, فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك ؟ قالوا: يا رب ومن هو ؟ قال عز وجل: عبدي يونس, قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل مُتَقبَل ودعوة مستجابة, قالوا: يا رب أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء ؟ قال: بلى, فأمر الحوت فطرحهُ بالعراء}(2).   

* من لطائف {لا إلهَ إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين}.

اللطيفة (1):

- كان يونس عليه السلام وحيداً في بطن الحوت فأدرك معنى وحدانية الله عز عن الشريك, فقال:{لا إله إلا أنت}.

- وكان عليه السلام سابحاً في البحار في بطن الحوت يسمع تسبيح الحصى والأسماك فشاركهم تسبيحهم لله سبحانهُ وتعالى, فقال: {سبحانك}.

- وكان عليه السلام مُحاطاً بالظُلمة من كل جانب, فتضرع إلى الله معترفاً بخطئه وظُلمه ليغفر لهُ ويُفرج عنهُ همهُ وغمه, فقال: {إني كنتُ من الظالمين}.
اللطيفة (2):
- إنَ ابتلاء الله ليونس عليه الصلاة والسلام بالوحدة والعُزلة في بطن الحوت, هو ليحن قلبه إلى الاجتماع بالناس ويصبر على بقائه بينهم داعياً إلى الله.
- وسماع يونس عليه السلام الحصى والأسماك بأعدادها الهائلة في أعماق البحار تسبح الله عز وجل وتُمجده, هو ليعلم أن الله غنيٌ عن هداية الناس وطاعتهم فلا يستعجل لهم الهداية ويدعوا عليهم بالعذاب إذا تأخروا.
- وأما عن ابتلاء الله ليونس عليه السلام بالظلمات الثلاثة في : بطن الحوت وقرار البحر وظلام الليل, فقد علاجهُ يونس عليه السلام بالكلمات الثلاثة وهي : كلمة التوحيد {لا إلهَ إلا أنت}, وكلمة التسبيح {سبحانك}, والاعتراف بالذنب {إني كنت من الظالمين}, فاستجاب الله دعوتهُ وأخرجهُ الله من الظُلمات إلى النور.  

الوليد يونس عليه السلام

 وقد كان دخول سيدنا يونس عليه السلام إلى بطن الحوت ومكثهِ فيه إلى حين غير معلوم , ثُم خروجه منه بعد ذلك بفضل توحيدهُ وتسبيحهُ واعترافهُ بذنبه لله , هو بمثابة ولادة جديدة ليونس عليه السلام , الذي خرج من بطن الحوت مغفور الذنوب والخطايا كما خرج من بطن أمه في المرة الأولى طفلاً وليداً طاهراً بلا ذنوب , ولعل خطأ يونس عليه السلام  كما أسلفنا كان في استعجالهِ العذاب لقومه ويأسهِ من رجوعهم عن الكفر بالله ومعصيته , فابتل

المزيد


ريما مكتبي وأُبوة الخليل إبراهيم بالفطرة والاسم القديم

تشرين الثاني 3rd, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب قصص الأنبياء والصالحين, مواجهات مع أهل الإعلام

 بسم الله الرحمَن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين , وأزكى الصلاة وأتم التسليم على نبي المسلمين محمد وآله وصحابته والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد ؛

قال تعالى: {قالت يا أيها الملأ إني أُلقي إليَ كتابٌ كريم 29 إنهُ من سُليمان وإنهُ بسم الله الرحمَن الرحيم 30 ألا تَعْلُوا علي وأتوني مُسلمين 31} سورة النمل.  

هذا هو الجزء الثاني من إدراج (ريما مكتبي غزالة الكعبة المسروقة) حيثُ كنتُ قد وعدتُ في نهاية الجزء الأول أن أكشف عن هوية الأب الصالح لريما مكتبي , وذلك بعد أن بينتُ وبرهنتُ على هوية الأب الفاسد لها في ذلك الجزء وهو أبي لهب ألا تبت يداهُ وتب , وهذا كلهُ بتوفيقٍ من الله الذي يعلم السرَ وأخفى , وعونهُ سبحانهُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء , وستكون المذيعة ريما مكتبي هي الشخصية النسوية الأولى التي يمنحها المسبار فرصة المرور تحت عينهُ السحرية مرتين, هذا وتجيء فكرة كتابتي لهذا البحث متزامنة مع ذكرى إضاءة الشمعة الأولى  لمدونة ولي الدين والمسبار السحري , التي ظهرت إلى حيز الوجود بتاريخ 12/7/2007 , ورغم بداياتي النشطة في التدوين وزحمة أفكاري وندرتها ووجود الحاجة المُلحة إلى طرحها في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها الأمة والعالم ككل , إلا أن إنتاجي للأبحاث والمقالات قد تراجع كثيراً منذ نحو خمسة أشهر , بسبب ما ترتب من انكبابي على الكتابة الالكترونية من تعبٍ ذهني وضعفٍ في النشاط البدني , إلى جانب شعوري بالإحباط من ضعف الحصيلة التفاعلية التي حققتها هذه المدونة , خاصةً وأن الذين أعرفهم من المهتمين بكتاباتي المصدقون لما فيها لا يكادون يتجاوزون أصابع اليد وأغلبهم من الأقارب والأصحاب , حتى أن الزوار الذين كانوا يدخلون إلى صفحة المدونة لسبي وشتمي قد ملوا وولوا ولم يعد لهم أثر فيها , رغم أنني أبقيتُ باب التعليق مشرعاً أمامهم ولم أحذف من تعليقاتهم سوى الكلمات البذيئة والردود التي تمس الثوابت والعقيدة الصحيحة , قال تعالى : {وشَروْهُ بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودة وكانوا فيه من الزاهدين 20} سورة يوسف. ونتيجةً لهذا الأسباب قررتُ التخفيف من التدوين لحساب عَملي وصحتي البدنية والنفسية.

ريما مكتبي وأُبوة الحليم إبراهيم

 قال تعالى : {ونفسٍ وما سواها 7 فألهَمَهَا فُجُورَها وتقواها 8} سورة الشمس. عرفنا في الجزء الأول من هذا البحث أن أبي لهب كان هو مُلهم المعصية والشر لنفس ريما مكتبي عافاها الله من ذلك , فمن هو يا ترى مُلهم الطاعة والخير لنفسها ؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ‏{‏كل إنسان تلده أمه على الفطرة‏.‏ وأبواه بَعدْ، يهودانه وينصرانه ويُمَجِسانه‏.‏ فإن كانا مسلمين فمسلم‏.‏ كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه، إلا مريم وابنها‏}. ‏رواهُ مسلم في صحيحه. [‏‏يلكزه‏ في حضنيه :‏ ضربه بجمع كفه في صدره‏, وقيل في جنبه‏ أو خاصرته]‏‏.‏ نستدل من هذا الحديث الشريف على أن موضوع بحثنا المذيعة ريما مكتبي كغيرها من البشر مولودة على الفطرة السليمة والملة الصحيحة ملة الإسلام , الدين القَيِم الذي ارتضاهُ الله سبحانهُ وتعالى لأنبيائه عليهم السلام أجمعين وسائر عباده , قال تعالى : {قل آمنَا باللهِ وما أُنزِلَ علينا وما أُنزِلَ على إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنَبِيُونَ من ربهم لا نُفرقُ بين أحدٍ منهم ونحنُ لهُ مسلمون 84 ومن يبتغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يُقبلَ منهُ وهو في الآخرةِ من الخاسرين 85} سورة آل عمران. 

 566imaوعلى رأس أهل هذه المِلة الحنيفية خليل الله سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي ينزل بمنزلة الأب لجميع أتباع هذه الملة , بنص قولهُ تعالى : {وجاهدوا في الله حقَ جِهادهِ. هو اجتباكم وما جعلَ عليكم في الدين من حرج. ملة أبيكم إبراهيم. هو سَمَاكم المسلمين من قبلُ وفي هذا ليكونَ الرسولُ شهيداً عليكم وتكونوا شهداءَ على الناس. فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعمَ المولى ونعمَ النصير 78} سورة الحج. وقد رزق اللهُ إبراهيم عليه السلام بولَدان هما إسماعيل الذي خرج من نسلهِ محمد عليهما الصلاة والسلام , واسحاق الذي خرج من نسله موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام , لذلك فإن جميع أهل الإيمان والتوحيد من يهود ونصارى ومسلمين قد حققوا إسلامهم وإيمانهم ببركة ذرية إبراهيم عليه السلام , وذلك تأكيداً من رب العالمين على وحدة الأديان ممثلةً بشخصية الأب الحليم إبراهيم عليه السلام , قال تعالى : {وقالوا كُونوا هُوداً أو نصارى تهتدوا. قل بل مِلةَ إبراهيمَ حنيفاً وما كان من المشركين 135} سورة البقرة. وقد كلفَ اللهُ سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام بالتوجه إلى مكة وشرفهُ بإعادة بناء الكعبة البيت الحرام , وتطهيرها من الشرك والأوثان وعبادة الشيطان , والنداء في الناس ليأتوا حاجين مُوحدين ومُعظِمين للمشْعَرِ الحرام , قال تعالى : {وإذ بوأنا لإبراهيم مكانَ البيتِ أن لا تُشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائِفين والقائمينَ والرُكع السجود 26 وأذِن في الناسِ بالحجِ يأْتوكَ رِجالاً وعلى كُلِ ضامرٍ يأتينَ من كُلِ فجٍ عميق 27} سورة الحج. [وقد ورد في غير ما خبر أن أول من شَابَ إبراهيم, وفي الإسرائيليات أن إبراهيم لما رجع من تقرب ولده إلى ربه رأت سارة في لحيته شعرة بيضاء فكان أول من شاب فأنكرتها وأرته إياها فتأملها فأعجبته وكرهتها وطالبته بإزالتها فأبى وأتاهُ مَلَك فقال‏:‏ السلام عليك يا إبراهيم وكان اسمه ابرايم فزاد اسمه هاء والهاء في السريانية للتفخيم والتعظيم ففرح وقال‏:‏ أشكر إلهي وإله كل شيء قال له المَلَك‏:‏ إن اللّه صيرك معظماً في أهل السماوات والأرض ووسمك بسمة الوقار في اسمك وخَلقَك أما اسمك فتدعى في أهل السماء والأرض إبراهيم وأما في خَلقَك فقد أنزل وقاراً ونوراً على شعرك فقال لسارة‏:‏ هذا الذي كرهتيه نور ووقار قالت‏:‏ إني كارهة له قال‏:‏ لكني أحبه اللهم فزدني نوراً فأصبح وقد ابيضت لحيته كلها‏] 1. نستشف من هذه الرواية ما يؤكد لنا انتماء ريما لملة إبراهيم عليه السلام دين الإسلام , حيثُ جاء بها أن اسم سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان ابرايم , فإذا عدلنا على حروف هذا الاسم بوضع حرف الألف الذي قبل الياء بعد حرف الميم فإنه يصبح ابريما , ثم نُبعد اب عن ريما فيصير الاسم اب ريما , أي أن (ابرايم = أب ريما) وهذا يعني أن ريما قد حازت مجازاً على الأبوة الكريمة من الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدلالة حروف اسمه القديم ابرايم , وذلك قبل أن يزيد الله اسمهُ بالتفخيم والتعظيم , وهذه الأُبوة المجازية وإن كان لريما فيها خصوصية بدلالة اسم الخليل إبراهيم , إلا أنها أُبوة حق حاصلة لجميع أهل هذه الملة الإسلامية من مختلف أجناس وأنساب البشر . فإذا أردنا التسليم بأن ريما حائزة حقاً على أبوة سيدنا إبراهيم , وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أبو المسلمين أجمعين , فإن هذا يقتضي أن تكون ريما مكتبي مُسلمة لرب العالمين , قال تعالى : {ومن أحسنُ ديناً مِمَن أسلَمَ وجههُ للهِ وهو مُحسنٌ واتبعَ ملةَ إبراهيمَ حنيفاً. واتخذَ اللهُ إبراهيمَ خليلاً 125} سورة النساء. وقد وُلدت ريما كما جميع الخلق مُسلمة على الفطرة السليمة , إلا أن الأهل والمجتمع قد يعظمون ويُفَخِمُون هذه الفطرة بالتربية والتعليم على مبادئها وقوانينها , وقد يُصغِرون ويُفسدون هذه الفطرة بقَدرِ بعدهم عن تعاليم هذه الفطرة والتصديق بها , ولا يخفى عليكم ما هو عليه حال أغلب الناس في هذا الزمان من تشتت في دينهم واختلاف في عقائدهم , الأمر الذي يؤدي إلى خلخلة فطرة الإنسان وفساد ظنهِ واعتقادهُ بربه , فيخرج من هذه الملة بعلم منه أو بغير علم , وتتسلط شياطين الإنس والجن حاضرها وغائبها على قلبهِ ونفسه وتُقعدهُ عن معرفة وطاعة ربه , وهكذا فإن ريما واقعة في حيرة هذا الزمان تتقلب نفسها بين تبعية ملة سيدنا إبراهيم أبوها في حالة الإسلام , وبين ملة إبليس اللعين سيد قلبها في حالة الغفلة والعصيان , وشتان شتان ما بين الاثنان وذلك أنه لا يزهد وينصرف عن ملة إبراهيم إلا الذي يجهل حقيقة نفسهُ ويمتهنها ويستخفُ بها ويُوردها المهالك , قال تعالى : {ومن يرغبُ عن ملة إبراهيمَ إلا من سَفِهَ نفسهُ. ولقد اصطفيناهُ في الدُنيا وإنهُ في الآخِرةِ لمنَ الصالحين 130 إذ قالَ لهُ ربهُ أسْلِم قال أسْلمتُ لربِ العالمين 131} سورة البقرة. 

لطيفة: إبراهيم الخليل .. إبراهي

المزيد


الوليد بن عمران موسى عليه السلام ج2

تشرين الأول 26th, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب قصص الأنبياء والصالحين, كوكب وليد أحمد الكراعين

بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمُرسلين سيدنا مُحَمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.

أما بعد ؛ كان من قولهِ عليه الصلاة والسلام: {أنا دعوة إبراهيم ونبوءة موسى وبشرى عيسى} أو كما قال.

قبل أن أبدأ في إضافة الفقرات الجديدة لهذا البحث أقدم فيما يلي ملخص قصير للأفكار الأساسية التي قام عليها هذا البحث والواردة بشكل مُفصل في الجزء الأول منه:

قال تعالى : {قال ألم نُرَبِك فينا وليداً ولبِثتَ فينا من عُمُرك سنين 18} سورة الشُعراء.

ثم قال تعالى في سورة القصص : {وقالت امرأتُ فرعون قُرَةُ عين ٍ لي ولك , لا تقتلوهُ عسى أن ينفعنا أو نتخذهُ ولداً وهم لا يشعرون 9}.

إذاً فقد جاء ذكرُ موسى عليه السلام في الآيتان السابقتان مرةً بصفة (وليد) وهو اسمي, وفي المرة الثانية بصفة (قرة عين) وهو اسم جدي الأكبر, وقد ذكرتُ نبذة عن تاريخ عائلة القراعين وسر تسميتها في إدراجات سابقة أوجزها فيما يلي : [وقد جاء اسم عائلة القراعين من أن الجد الأكبر لهذه القبيلة كان عزيزاً جداً على والده فأسماهُ قرة عين, وبمرور الزمن ونتيجةً لعادة الناس في الميل لتسهيل لفظ الأسماء , تطرق الحذف والإضافة إلى الاسم ليصبح اسم الجد قراعين بدلاً من قرة عين] (1). ويُقال هاشميين نسبة على رجل اسمهُ هاشم وكنعانيين نسبةً إلى رجل اسمهُ كنعان, وهكذا.

وبحسب ترتيب سور القرآن الكريم فقد ورد لفظ وليد أولاً في سورة الشُعراء وترتيبها 26, ثُم لفظ قرة عين ثانياً في سورة القَصَص وترتيبها 28, وهذا الترتيب موافق لتسلسل ترتيب اسمي حيثُ أن العربي عادةً عندما يُعَرِف بنفسهِ فإنهُ يذكر اسمهُ أولاً ثم اسم قبيلته (فلان بن فلان).

ما معنى اسم كليم الله موسى عليه السلام؟

(موسى) لفظة في المصرية القديمة منحوتة من جذر في تلك اللغة، هو ( م / س / ى )، فعل بمعنى ولد / يلد / ولادة . ولفظة (موسى) اسم مشتق منه على زنة المفعول ، فمعناها ( ولد ) أو (وليد ), فإن سألت أي الصيغتين ( الولد ) أو ( الوليد ) أقرب ؟ .. قلت لك : معنى ( الولد) أقرب لاسم موسى في لغته ، ولعل هذا هو السبب أن القرآن أتى بها على لسان امرأة فرعون {عسى أن ينفعنا أو نتخذهُ ولداً} آية 9,القصص. لكن معنى (الوليد) أقرب في لغة العرب ، إذ أن العرب لم تسمى علماً قط ( الولد ) لكن الشائع عندهم (الوليد) وهو كثير ، يدلك على اعتداد القرآن بهذه الصيغة ـ وهى المعتبرة عند التعريب والترجمة ـ أن لفظة (وليد) لن تجدها في القرآن كله إلا في هذه الآية فقط, قال تعالى : {ألم نربك فينا وليداً} آية 18, الشعراء] (2).

بداية الجزء الثاني

الوليد فرعون 

جاء في كتاب مختصر تفسير ابن كثير, الآية 49 من سورة البقرة ما نصه: [(فرعون) علمٌ على كل من ملك مصر كافراً من العماليق وغيرهم, كما أن (قيصر) علمٌ على كل من مَلك الروم مع الشام كافراً, و(كسرى) لمن ملك الفرس. ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى عليه السلام (الوليد ابن مصعب بن الريان) فكان من سلالة عمليق, وكنيتهُ أبو مرة, وأصلهُ فارسي من اصطخر], ويقودني هذا التفسير إلى فهمٍ أعمق لغرض الوليد فرعون من قوله للوليد موسى عليه السلام : {ألم نربك فينا وليداً} [الشعراء 18], وكأن فرعون يريد بقولهِ هذا أن يَمُنَ على موسى عليه السلام ليس فقط في تربيته في قصره, ولكن أيضاً بتسميتهِ باسمه (الوليد), وهو الاسم الذي اختارتهُ لهُ ابنة فرعون بعد أن التقطته من الماء, وسواءً صَحت هذه الرواية أو لم تصح فإن الفرق بين الوليدين كالفرق بين آية الليل وآية النهار, فقد كان فرعون عليه لعنة الله وليد حقدٍ وجهلٍ وكفر, بينما كان موسى عليه السلام وليد محبةٍ وحكمة ونبوة, وقد فَرَقَ اللهُ بينهما تصديقاً لهذا الفرق الشاسع في الإيمان فجاوز بموسى عليه السلام البحر وأغرق فرعون.  

محبة موسى عليه السلام في وليد   
قال تعالى : {وألقيتُ عليك محبةً مني ولتُصنعَ على عيني}[39 طه].
لقد مَنَ الله على موسى عليه السلام بمحبتهِ منذ ولادته وكان كل من يرى وجههُ المُنير يُحبه ويتعلق قلبهُ به ومن يُعاشرهُ كان يحزِن على فراقهُ, وكانت جواري قصر فرعون وبناتهُ يتنافسن على حملهِ والعناية به, واتخذتهُ زوجة فرعون ولداً وحرصت على استبقائه في قصرها, وأما فرعون فرغم أنهُ لم يُحب موسى عليه السلام إلا أنهُ رضي ببقائه في قصره ولم يؤذيه.
وقد كُتبت هذه المحبة في اسم موسى عليه السلام بمعناه المصري القديم (وليد), فالمحبة هي المودة والحب معناهُ الود, والود كلمة مأخوذة من الولد بحذف اللام منه, وذلك لأن الولد هو نتاج الحب والمودة بين الرجل والمرأة, سواءً كان حبُ شهوة أو حُب فؤاد, وقد كُتب الود في أول وآخر حرف من اسم (وليد).
فإذا كان اسمي (وليد) واسم جدي الأكبر (قرة عين) كاملين قد ذُكرا في آيتين منفصلتين متتابعتين – حسب ترتيب سور القرآن الكريم – بمعيية ذكر موسى عليه السلام, فإن نصف اسمي وليد (ود), ونصف اسم جدي قرة عين (عين) , قد ورد ذكرهما في آيةٍ واحدة - الآية أعلاه - على الترتيب بمعيية ذكر موسى عليه السلام أيضاً, حيثُ انطوت كلمة (ود) في كلمة (محبة) , كما انطوت كلمة عين في كلمة (عيني).
وحسابياً فإن ناتج ضرب عددي الآية أعلاه التي فيها نصف اسمي واسم جدي مجتمعين, يساوي مجموع رقمي الآيتين السابقتين اللتان فيهما اسمي واسم جدي كاملين, كما يلي:
* الآية 39 من سورة طه (محبةً: ود, عيني: عين): 9 * 3 = 27.
* الآية 18 الشُعراء (وليداً) + الآية 9 القصص (قرة عين): 18 + 9 = 27.
قال الشاعر: أين من عيني حبيبا ساحراً   فيه عزٌ و جلالٌ و حياء
 
لطيفة: الخليل .. وليد
كما قلت فإن أول وآخر حرف من اسم (وليد) هما (ود), وفي قاموس مختار الصحاح للغة العربية فإن (الخِلَ) هو (الود), وإذا استبدلنا حرفي الواو والدال (ود) من اسم وليد بما يُعادلهما في المعنى مجتمعين وهما حرفي كلمة خل (الخاء واللام), فإن اسم وليد يصبح (خليل), والخليل هو الصديق والحبيب وهو لقب سيدنا إبراهيم عليه السلام, قال تعالى : {. واتخذ الله إبراهيم خليلاً} [النساء, 125]

عن عبد الله بن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينتظرونه ، قال : فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، فسمع حديثهم . فقال بعضهم : عجبا ! إن الله اتخذ من خلقه خليلا ، اتخذ من إبراهيم خليلا . وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى ، كلمه تكليما . وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه . وقال آخر : آدم اصطفاه الله . فخرج عليهم فسلم وقال : {قد سمعت كلامكم وعجبكم ، إن إبراهيم خليل الله ، وهو كذلك ، وموسى نجي الله ، وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته ، وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك . ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول شافع ، وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة ، فيفتح الله لي فيدخلنيها ، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر} سنن الترمذي.

 
موسى وهارون عليهما السلام
سمعتُ في بعض دروس العلم أن هارون كان يكبرُ موسى عليهما الصلاة والسلام بسبع سنوات, وهارون هو أخو موسى ورفيقه في دعوة فرعون وملأهِ إلى دين الله الإسلام لما كان يتمتع به من فصاحة وطلاقة لسان، حيثُ جعلَ اللهُ تبارك وتعالى البركة لموسى عليه السلام في حركتهِ وأفعالهِ, فكان جسده قوياً ربانياً يبطشُ بيد الله فيُهلك عدوه ويمشي برجل الله فلا يدركهُ لاحق, بينما كانت البركة لهارون عليه السلام في أقواله فكان مسموع الحديث مفهوم المنطق لبق في كلامه, قال تعالى : {قال ربِ إني قتلتُ منهم نفساً فأخافُ أن يقتلون 33 وأخي هارون هو أفصحُ مني لساناً فأرسلهُ معي ردءاً يصدقني إني أخافُ أن يُكذبون 34} القصص. ومن المصادفات السعيدة أن الفرق في العُمر بين الوليد موسى وأخاهُ هارون عليهما السلام, هو نفس الفرق بيني وبين أخي الأكبر (وائل) الذي يكبُرني بسبع سنوات, والمصادفة الأخرى هي أن أخي وائل يعمل مُحامي, والمُحاماة كما هو معلوم هي مهنة اللباقة وطلاقة اللسان وتزيين الكلام, ولو أردنا أن نضيف إلى هارون عليه السلام مهنة لقلنا أنهُ كان مُحامي أخيه موسى عليه السلام في حضرة القاضي الكافر فرعون عليه لعنة الله,  وموسى عليه السلام كان مُتهماً عند فرعون بقضية قتل ثابتة عليه بالشهود وباعتراف موسى نفسه في حضرة هذا القاضي الظالم, لكن مع ذلك أفلت موسى عليه السلام من العقوبة بفضل ما أيدهُ اللهُ به من كلامه ورسالاته ومعجزاته المُخيفة والرهيبة, والتي جعلت كلام محامي موسى الفصيح هارون عليهما السلام مسموعاً في أُذني فرعون و

المزيد


الوليد بن عمران موسى عليه السلام ج3

تشرين الأول 16th, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب قصص الأنبياء والصالحين, كوكب وليد أحمد الكراعين

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أكرم النبيين سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه والتابعين, وتابعيهم بإحسان ٍ إلى يوم الدين.
أما بعد ؛ هذا هو الجزء الثالث من بحث (الوليد بن عمران موسى عليه السلام), وترتيب هذا البحث في سلسلة أبحاث ومقالات هذه المدونة هو (الخمسين), والرقم (50) يُمثل الرمز العددي لاسم (وليد) على قاعدة حساب الجُمل, وسوف أستعرض في هذا الجزء جانباً من الآيات والمعجزات الكُبرى التي أيدَ اللهُ بها نبيهُ موسى عليه السلام, ومع ذكر كل معجزةٍ وآية سوف أقوم ببيان وتوضيح تجليات هذه المعجزة في اسم (وليد) خاصةً, والذي هو معنى اسم (موسى) باللغة المصرية القديمة كما بينت ذلك في الجزء الأول, وقد ورد هذا الاسم في القرآن على لسان فرعون في حديثه مع موسى عليه السلام, قال تعالى: {قال ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين 18} الشعراء.
وفي بعض الفقرات فإنني سوف استعين باسم أبي (أحمد) واسم جدي (محمد) لإكمال بيان واحدة من المعجزات الجِسام, وهي معجزة شق البحر بعصا موسى عليه السلام, وكذلك هناك فقرة خاصة باسم عائلتي (الكراعين), والذي هو كما مر معنا في الأجزاء السابقة اللفظ المحلي لأهالي قرى فلسطين لاسم (قراعين), وقراعين هو اسم جدي الأكبر (قرة عين), وقرة عين هو وصف امرأة فرعون لموسى عليه السلام في القرآن, قال تعالى:{وقالت امرأتُ فرعون قرتُ عينٍ لي ولك , لا تقتلوهُ عسى أن ينفعنا أو نتخذهُ ولداً وهم لا يشعرون 9} القصص.   
 آيات موسى الكُبرى في وليد الكراعين
لقد أيَدَ اللهُ نبيهُ موسى عليه الصلاةُ والسلام بمعجزاتٍ مُبهرة وأعطاهُ من الآيات العظيمة والأدلة القاهرة, وابتعثهُ إلى فرعون وملئه لتقوم عليهم الحُجة بالبرهان القاطع الواضح, قال تعالى : {فألقى عصاهُ فإذا هِيَ ثُعبانٌ مُبين 32 ونَزَعَ يَدهُ فإذا هي بيضاء للناظرين 33} سورة الشُعراء.
 
وقد بعث الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وهامان بآيتان عظيمتان لمُوازنة قضيتان خطيرتان, أولهما أن موسى بدعوته إلى الله الواحد الأحد سوف يُبطل إدعاء فرعون الإلوهية وهذا يقتضي القتل أو الحبس أو الطرد من مملكة فرعون, وثانيهما أن لقوم فرعون على موسى دم ودية ذلك الرجل الذي قتلهُ موسى عليه السلام, وهذا يقتضي أن لا يخرج موسى من حضرة فرعون وملأهُ قبل أن يُسأل ويُحاسب على هذا الفعل, وبمقابل هذان الموقفان الصعبان اللذان سوف يواجههما موسى في حضرة فرعون وهامان, فلا بد من أسبابٍ ظاهرة وجيهة لنجاة موسى من هذه المحنة الشديدة, وبالمقارنة بين المعجزتين اللتان ابتعث الله موسى فيهما إلى فرعون, فإن معجزة العصا تأتي بالمقام الأول لِما فيها من تحويل الشيء الجامد الثابت المحدود إلى حي مُتحرك مُطلق, وكذلك فإن خصوصية هذه المُعجزة وأهميتها العُظمى تكمُن في مقدرتها على إدخال الرهبة والخوف الشديد إلى نفس فرعون وحاشيته وجنده, وهذه المُهمة أنجزها الثُعبان الهائل القوي, والثُعبان حيوانٌ تزيغ الأعين وتقشعر الأبدان بمجرد النظر إليه على طبيعته, فكيف الحال إذا صاحب ظهورهُ فعلٌ خارقاً للعادة, فإن هذا من شأنه أن يُبقي فرعون وملأهُ تحت وطأة الخوف والقلق من حدثٍ غير معتاد يجري لهم على يدي موسى عليه السلام وعصاهُ مُتعددة الأغراض, وقد كان خوفهم في مكانه, فبضربةٍ من عصا موسى انشق البحرُ نصفين فمر موسى ومن معهُ وغرق فرعون ومن تبعهُ, وزالت بذلك دولة الفرعون المُتكبر وصارت عبرةً لكل من يسير سيرها وينهجُ نهجها في الظلم والعناد.
 
لطيفة قرآنية:
قال تعالى: {فأراهُ الآية الكُبرى 20 فكذب وعصى 21 ثم أدبر يسعى 22} سورة النازعات.
{الآية الكُبرى} هي جُملة مُفردة تفيد الجمع, وذلك أن موسى عليه السلام كما في الآيتين السابقتين من سورة الشعراء قد أظهر لفرعون كِلا الآيتين معاً (العصا واليد), وهذا ما دل عليه التفسير, وكما ذكرتُ في الفقرة السابقة فإن آية العصا هي الأكبر والأكثر أهمية مقارنةً بآية اليد, ونستطيع أن نستنبط ما يدل على كِبَر آية العصا وشدة سلطانها على قلب فرعون من خلال آيات سورة النازعات أعلاه.
بدايةً بالآية رقم 20 التي وردت فيها كلمة (الكُبرى), وكما هو معلوم فإن أحد أشهر وأقوى أنواع الأفاعي هو أفعى (الكُبرى), ولعل هذا يعطينا إشعاراً إضافياً بأن عصا موسى قد تحولت إلى أفعى نوع كُبرى.
ثانياً, نجدُ في الآيتين رقم 21 و 22 اللتان صورتا ردة فعل فرعون بعدما شاهد الآيات, لفظاً متشابهاً وبحسب ترتيب الآيتين مع اللفظ الذي جاء في ذكر آية عصا موسى بسياقين مختلفين.
ففي الآية رقم 21 نجدُ لفظ (عصى) ومعناهُ ضد )أطاع(, وكذلك فإن لفظ (عصى) بكسر الألف هو ذاته لفظ (عصا) بمد الألف وهي أداة معجزة موسى عليه السلام, وفي الآية التالية رقم 22 نجدُ لفظ (أدبر) وهو فعل معناهُ (ولى ظهرهُ), وهذا ما فعلهُ موسى عليه السلام بعدما رأى عصاهُ قد تحولت لثعبان, قال تعالى : {وألق ِ عصاك, فلما رآها تهتزُ كأنها جانٌ ولَى مُدبراً ولم يُعقب, يا موسى لا تخف إني لا يخافُ لدي المُرسَلون 10} سورة النمل.
ونجد في الآية رقم 22 أيضاً لفظ (يسعى), والسعي هو حالة عصا موسى بعد أن ألقاها وتحولت إلى حية بأمر الله, قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى 17 قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى 18 قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى 19 فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى 20} سورة طه.
 
وليد .. ومعجزتي العصا و اليد
إذا كانت آية {الآية الكُبرى 20} جملة مفردة أفادت الجمع بين معجزتي العصا واليد لموسى عليه السلام, فإن (وليد) كذلك اسمٌ مفرد يُفيد الجمع بين ذات المعجزتين, وكما في الشرح التالي:
 عصا على شكل �رف لام
* نقوم بتقسيم اسم وليد على النحو التالي: وليد = ل + و + يد.
 
ل : إن رسم حرف اللام يشبه شكل العصا المعقوفة مقلوبة كتلك التي على يسار الصورة, والعصا هي الأداة الرئيسية التي سخرها الله لإظهار طلاقة قدرته لموسى وقومه.
يد: واليد هي الأداة الثانية التي أيَدَ اللهُ بها نبيهُ موسى عليه السلام وجعلها آيةً بنورها الساطع للأنام.
و: حرف الواو, ويُكتب بالإنجليزية WAW , وهي لفظة يستخدمها الأعاجم للتعبير عن الدهشة والتعجب, والدهشة والخوف الشديد هو ما أصاب موسى عليه السلام بعدما شاهد عصاهُ قد انقلبت إلى ثُعبان, قال تعالى : {وألق ِ عصاك, فلما رآها تهتزُ كأنها جانٌ ولَى مُدبراً ولم يُعقب, يا موسى لا تخف إني لا يخافُ لدي المُرسَلون 10} سورة النمل. والدهشة والاستغراب الشديد هو ما أصاب فرعون بعدما رأى معجزات موسى الباهرة, فأبى عليه عنادهُ وكفرهُ إلا أن يقول في موسى, قال تعالى : {قال للملإ حولهُ إنَ هذا لساحرٌ عليم 34} الشُعراء. والدهشة والخضوع هو ما أصاب سَحرة فرعون بعدما رأوا ثُعبان موسى عليه السلام تجمعُ عصيهم من كل بُقعة وتبتلعها فخروا لله ساجدين, قال تعالى : {فألقى مُوسى عصاهُ فإذا هي تلقفُ ما يأفكون 45 فأُلقي السحرةُ ساجدين 46 قالوا آمَنَا برب العالمين 47} الشُعراء.
 
والآن وبعد أن بينتُ باختصارٍ شديد كيفية اجتماع مُعجزتي (العصا واليد) في اسم (وليد), سأُبين بالتفصيل المُفيد كيفية انطواء كلٍ من المعجزتين على حِداً في اسم (وليد). 
 
1- معجزة العصا والثعبان في اسم وليد
قال تعالى: {فألقى عصاهُ فإذا هي ثُعبانٌ مُبين 32}
ثُعبانٌ مُبين: أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح, ذات قوام وفم كبير وشكلٍ هائلٍ مُزعج (مختصر تفسير ابن كثير).
ولو تمحصنا في اسم (وليد) فإننا سنجدُ العصا وصفات الثُعبان المُبين حاضرين:
وليد = و + ل + يد = ل + ويد.
ل: (العصا), كما ذكرتُ سابقاً فإن كتابة حرف اللام ( ل ) تشبه شكل العصا المعقوفة بشكل مقوس مقلوبة كتلك التي في الصورة.
ويد:إن هذه الحروف العربية الثلاثة تُعادل حروف (W,I,D) الإنجليزية, وتُمثل هذه الحروف مُجتمعة على الترتيب لفظ كلمة (Wide), علماً بأن حرف (e) في نهاية هذه الكلمة يُكتب ولا يُلفظ, وتُستخدم كلمة (wide) باللغة الإنجليزية بمعنى واسع وكبير وهائل (1), وهذه المعاني تُعبر عن صفات ثُعبان موسى عليه السلام كما وصفهُ الله في القرآن {ثُعبانٌ مُبين}.
كذلك وبحسب معاني كلمة (wide) في قاموس اللغة الإنجليزية فإن جُملة : (Wide mouthed) تعني واسع الفم, نَهِم, جشع (1). وهذا هو وصف فم ثُعبان موسى عليه السلام كما ذكره ابن كثير – رحمهُ الله - في التفسير أعلاه, وهذه الوصف لِنَهم هذا الثُعبان وسِعة فَمهُ عبر عنها القرآن في قوله تعالى: {فألقى موسى عصاهُ فإذا هي تلقفُ ما يأفكون 45} الشعراء, أي تخطفهُ وتجمعهُ من كل بُقعةٍ وتبتلعهُ فلم تدع منهُ شيئاً.
 
2- مُعجزة يد موسى في اسم وليد
قال تعالى لموسى عليه السلام: {اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} [32, القصص].
(أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها, فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق, ولهذا قال {من غير سوء} : أي من غير بَرص). مختصر تفسير ابن كثير.
وفيما يلي بيان الكيفية التي انطوت فيها معجزة اليد الموسوية في اسم (وليد):
وليد = ول + يد .
ول: الشطر الأول من اسم (وليد), ويعادلها لفظاً باللغة الإنجليزية كلمة (Well), وتأتي هذه الكلمة بمعنى : حَسناً, ومُعافى, ومتمتع بصحةٍ جيدة (1).
يد: عضو من أعضاء الإنسان غني عن التعريف.
والآن فإن : وليد = ول + يد = well + يد = حسناً مُعافى + يد.
وهذه النتيجة التحليلية لاسم (وليد) تُعبر تماماً عن عما جاء في الآية الكريمة من ذكر معجزة يد موسى عليه السلام.
قال تعالى: {اسلك (يدك) في جيبك تخرج بيضاء (من غير سوء)}.
يدك = يد, وهي الأداة الرئيسية في المعجزة.
من غير سوء = ول (well) بمعنى مُعافى بحالة جيدة, أي أن يدك يا موسى تخرج من جيب درعك مُعافاة صحيحة ليس بياضها الساطع من بَرَصْ. 
 
حادثة انشقاق البحر لبني إسرائيل كرامةً لنبيهم موسى وأخاهُ هارون الوزير
قال تعالى: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بِعَصاك البحر , فانفلقَ فكان كلُ فِرقٍ كالطودِ العظيم 63} سورة الشُعراء.
لما طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر, وأقام بها حجج الله وبراهينهُ على فرعون وملئه, وهم مع ذلك يُكابرون ويُعاندون, لم يبقَ إلا العذاب والنَكال, فأمر الله موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً من مصر, ففعل موسى عليه السلام ما أمرهُ ربه ومضى ببني إسرائيل إلى أن انتهى بهم المسير إلى سيف البحر, وهو بحر القلزم أو ما يُعرف اليوم ڊِ (البحر الأحمر), وهذا ما دلت عليه كُتب التفسير والروايات الدينية والتاريخية.
وبعد أن صار البحرُ أمام بني إسرائيل وتوقفوا عن المسير, ظنوا أنهم لا خيار أمامهم للفرار وأن فرعون وجنودهُ المُطاردين لهم سيصبحوا قريباً على مرمى الأسماع والأبصار, وهنالك دعا موسى ربهُ قائلاً: (يا من كان قبل كل شيء , والمكون لكل شيء, والكائن بعد كل شيء, اجعل لنا مخرجاً, فأوحى الله إليه : {اضرب بعصاك البحر}.
ولنتوقف قليلاً عند هذه المسألة ونتأمل بآلية ضرب البحر بالعصا, ولنأخذ مِثالاً عملياً بسيطاً شبيهاً بهذا الفعل, وهو إذا أحضرنا عصا متينة ثقيلة وضربنا بها إناء واسع صغير مملوء بالماء ضربةً قوية, فإن كميةً كبيرة من الماء تساوي (مقدار كتلة وحجم العصا التي غاصت في الماء إضافةً إلى مقدار قوة الضربة) سوف تطيش من على جانبي العصا وحولها إلى خارج الإناء, ولولا أن خاصية سيولة الماء ولزوجته

المزيد


كيْد النسْوان ليوسف عليه السلام

أيلول 22nd, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب إعجاز القرآن والسُنة, كوكب المرأة, كوكب قصص الأنبياء والصالحين

بسم الله الرحمَن الرحيم
الحمدُ لله رب العالمين , والصلاةُ والسلامُ على أكرم المرسلين محمد وآله وصحبه المنتخبين. أما بعد , هذا هو الجزء الرابع من بحث (النساء في ظلال الرقم ستة) والذي سيدور الحديثُ فيه عن مسألة كيد النسْوان . وقد قدم لنا القرآن الكريم نموذجاً كاملاً وشاملاً في سورة يوسف عليه السلام , نستبينُ منهُ بوضوح أبعاد هذه السمة النسائية وحقيقتها .
وأُسوةً بالأجزاء السابقة فإن هذا الجزء سيتضمن مُفارقات رقمية ومعنوية غريبة وجديدة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وغيرها, مما أفاء اللهُ به على عبدهِ من علمٍ ومعرفة في هذا الحقل الخصب طيب الغراس من قصص الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه .
كانت جدتي مريم ابنة عيسى رحِمهما الله تقول : (إن النسْوان وضعوا إبليس  داخل القنينة وأقفلوها عليه) . وذلك للدلالة على أن كيد النسْوان غلبَ كيد الشيطان, وقد تجسدت هذه المقولة بصورة حرفية في قصة يوسف عليه السلام , إلا أن حبيس النساء في هذه القصة لم يكن شيطان وإنما كان يوسف عليه السلام , وشتان ما بين الاثنان نور الله يوسف عليه السلام ونار الله الشيطان.
 
 
حبيس النسْوان يوسف عليه السلام
- قال تعالى : {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ 23} سورة يوسف.
[يُخْبِر تَعَالَى عَنْ اِمْرَأَة الْعَزِيز الَّتِي كَانَ يُوسُف فِي بَيْتهَا بِمِصْرَ , وَقَدْ أَوْصَاهَا زَوْجهَا بِهِ وَبِإِكْرَامِهِ فَرَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسه أَيْ حَاوَلَتْهُ عَلَى نَفْسه وَدَعَتْهُ إِلَيْهَا , وَذَلِكَ أَنَّهَا أَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا لِجَمَالِهِ وَحُسْنه وَبِهَائِهِ فَحَمَلَهَا ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَجَمَّلَتْ لَهُ وَغَلَّقَتْ عَلَيْهِ الْأَبْوَاب وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسهَا    وَقَالَتْ هَيْت لَك هلمَ أنا لك , فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدّ الِامْتِنَاع و قَالَ مَعَاذ اللَّه إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ وَكَانُوا يُطْلِقُونَ الرَّبّ عَلَى السَّيِّد الْكَبِير أَيْ إِنَّ بَعْلَك رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ أَيْ مَنْزِلِي وَأَحْسَنَ إِلَيَّ فَلَا أُقَابِلهُ بِالْفَاحِشَةِ فِي أَهْله إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ ] (تفسير ابن كثير).
- قال تعالى : {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 25 .. فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ 28}.
لحِقت امرأة العزيز بيوسف عليه السلام إلى بابِ حجرتها ومسكتهُ من ظهر قميصه حتى قدتهُ عليه , وذلك مع مجيء زوجها ووقوفه أمام باب حجرتها ومشاهدته لحالتها مع يوسف عليه السلام , فأسرعت إلى اتهام يوسف عليه السلام بالخيانة , ولكن محبة عزيز مصر ليوسف وثقتهُ بأمانته دفعته إلى التفكير المُحايد بهذه الحادثة دون غضب وعصبية , فعلم من حالة امرأته التي كانت بكامل زينتها وبهجتها , ومن رأي الشاهد صغيراً كان أو رجلاً كبير, أن انشقاق قميص يوسف عليه السلام من ظهره يدل على أن امرأة العزيز هي التي كانت تلاحقهُ وهو يمتنع عنها , وذلك أن الذي يطلبُ أمراً ويتوجهُ إليه يستقبلهُ بوجهه , والذي يرفضٌ أمراً ويُعرضُ عنه يوليهُ دبرهُ (يُعطيهُ ظَهرَه) .
- قال تعالى : {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 30}.
 شاع خبرُ حب امرأة العزيز ليوسف عليه السلام وطلبها إياه في مدينة مصر وذلك عن طريق جواريها في القصر , وعاب سيدات مصر على امرأة العزيز شدة حبها لرجلٍ من عبيد قصرها , إلى حد التفريط بشرف وكرامة السادة أمام أولئك العبيد, كما أثار خبر شغف امرأة العزيز بفتاها شغف نساء مصر, فأحببن رؤيتهُ عن كثب لاستطلاع السبب.
- قال تعالى : {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ 31 قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ 32} .
(ليس الخبرُ كالمعاينة) حكمةً نبوية أرادت امرأة العزيز تطبيقها بإحكام على النسوة اللواتي استهجنَ حبها وانزلاقها وراء رجل من العبيد , فأعدت العُدة للانتقام لكبريائها المجروح ودعت النسوة لضيفاتها وقدمت لهُنَ أطباق الفاكهة التي تُأكل بالسكين , ثم طلبت من يوسف عليه السلام الدخول على مجلسهن وهو في أبهى حُلة من الثياب والزينة لتفاجئهن برؤيته, وقد أتاهُ اللهُ كمال الحسن وهو في ذلك الحين شابٌ فتي مُفعم بالحيوية ونور النبوة ونضارة الوجه, فلما رأت نسوة مصر ما لا يتوقعن رؤيته الحُسن والبهاء وهيبة الرجال, أُصبن بالذهول والإنفعال وغمسوا السكاكين بأيديهن عِوضاً عن الفاكهة والبرتقال. 
         واثق الخطوةِ يمشي ملكاً      ظالم الحُسنِ شجي الكبرياء
وفي نهاية المسرحية الساخرة صارت لكل سيدةٍ من الحضور علامةً في يدها تُعيرهُا بها امرأة العزيز , وصارت جروح أيديهُنَ بلسماَ شافياً لجرح كرامتها وخدش سيادتها.
 
ولكن الكيد رجع على صحابته , إذ أن دهشة الضيفات من جمال يوسف عليه السلام الذي كان آيةً في حُسن الصورة والسريرة , جدد في نفسها رغبتها المُلحة في الحصول على حبه , فازداد إصرارها على تحقيق هذه الرغبة الجامحة , وتعهدت بسَجنهِ وإذلاله لإجباره على مُبادلتها الحب حتى وإن كان ذلك من باب طاعة العبد لسيدته .
قال تعالى : {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ 33 فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 34}.
رضي يوسف عليه السلام بالسجن على أن يُطيعها بالمعصية

المزيد


كرامة سلام الإمام الرفاعي على خير الأنام

أيلول 21st, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب المهدي المنتظر, كوكب قصص الأنبياء والصالحين

بسم الله الرحمَن الرحيم

الحمد لله الذي نزَل الكتاب وهو يتولى الصالحين , والصلاة والسلام على السيد الأعظم أبي القاسم النبي الأمين , أشرف المرسلين , سيدنا ومولانا ونبينا وشفيعنا محمد حُجة الله على العالمين , وعلى آلهِ وأصحابهِ الطيبين الطاهرين , وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين , آمين.

أما بعد ؛ سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربهُ عن أدنى أهل الجنة منزلة فأجابهُ , ثم سألهُ عن أعلاهم منزلة , قال : ((.. فأعلاهم منزلة , قال : أولئك الذين أردت : غرستُ كرامتهم بيدي ، وختمتُ عليها ، فلم تر عينٌ ، ولم تَسمعْ أذنٌ ، ولم يخطرْ على قلب بشر)) ، ومصداقه في كتاب الله :{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } السجدة 17. وقد ذكر الشيخ الجليل الكامل جامع المعالي والفضائل الإمام الهُمام قاسم بن محمد بن الحاج رحمهم الله في كتابه ِ (أم البراهين في تصحيح اليقين بإشارات الصالحين) ما نصهُ : إنَ قُطب الزمان السيد الجليل الشيخ الكبير السيد أحمد بن أبي الحسن الرفاعي الحسيني قدسَ الله سره العزيز , كان من أجل القوم إمكاناً وأتمهم أخلاقاً وإحساناً , وقد روى لنا الشيخ الجليل والهمام الفضيل أبو حفص عمر الفاروثي رحمهُ الله قال :

كُنا في مجلس الشيخ الكبير أحمد بن أبي الحسن الرفاعي وحولهُ جماعة من فحول الأبطال وأكابر الرجال وهم يتحادثون في حضرة الشيخ بعلوم غريبة وأسرار عجيبة وهو جالس بينهم يرد جوابهم , فبينما هم كذلك إذ قام الشيخ الكبير السيد أحمد على قدميهِ كاشفاً رأسهُ وقال :{اللهُ أكبر الله أكبر. ظهر الحق وبان الصدق. نوديت من الحضرة العلية أن يا أحمد قم وزر بيت الله الحرام وزر النبي عليه السلام فإن هناك دعوة من الرسول يوصلها إليك} , فقال كل من في المجلس سمعاً وطاعة وأنشد بعضهم يقول في حضرة الشيخ:

مُرنا بأمرٍ فإنا لا نخالفه     وحد حداً فإنا عندهُ نقف

فتأهب للسفر فطلع معه جمٌ غفير ومحفلٌ كبير وساروا طالبين مكة المشرفة والمدينة المنورة , فلما وصلوا المدينة مدينة النبي (صلى الله عليه وسلم) وقف تجاه حجرة النبي عليه الصلاة والسلام وأنشد:

في حالة البعد روحي كنتُ أرسلها    تقبل الأرض عني وهي نائبتي

وهذه دولة الأشباح قد حضرت    فامدد يديك لكي تحظى بها شفتي

ثم قال : السلام عليك يا جَداهُ , فقال لهُ من داخل الحُجرة : وعليك السلام يا ولدي وانشق تابوت الرِسالة ومدَ يدهُ الشريفة (صلى الله عليه وسلم) فقبَلها وبايعهُ بيعة كليةً وأمرهُ بلبس الشاش الأسود , وأن يصعد على المنبر وأن يعظَ الناس , وقال لهُ ثانياً : لقد نفع الله بك أهل السماء وأهل الأرض وهذه البيعة متصلة بك وبذريتك إلى يوم القيامة. والحاضرون يشهدون بأبصارهم ويسمعونهُ بأسماعهم رضوان الله عليهم أجمعين , وكان ممن حضر في تلك السنة من الحجاج وشاهد ذلك بعينهِ من فحول الرجال سيدي حيوة بن قيس الحراني, وسيدي علي بن خميس, وسيدي عبد القادر الجيلاني وغيرهم قدس الله أسرارهم , وكان بقية من حضر من الناس تسعينَ ألفاً انتهى. وقلت وفي هذه القصة بعد الكرامة من شهادة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لسيدي أحمد بصحة النسب ما يكفي شرفاً وفخراً, ولا يخفى ما صرحَ به الإمام الصفوي في نزهتهِ في باب الزيارة من أن إنكار هذه الكرامة يؤدي إلى سوءِ الخاتمة والعياذ بالله لما فيهِ من إنكار معجزة النبي (صلى الله عليه وسلم) وكرامة الولي قدس سره العزيز. هذه الفقرة منقولة من كتاب قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعهُ الأكابر.

الباب

وقد ذكر هذه الكرامة كثير من المؤرخين الثقات وفقهاء الإسلام , وقد ألفوا فيها الكتب المعتبرة , كالإمام السيوطي ولهُ كتاب (الشرف المحتم فيما منَ اللهُ بهِ على وليه السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنهُ , من تقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم) , والإمام عبد الكريم الرافعي في كتابهِ (سواد العينين في مناقب الغوث أبي العلمين) , والعلامة محمود الألوسي في كتابه (الأسرار الإلهية في شرح القصيدة الرفاعية) , وغيرهم من مشاهير العلماء الكبار.

وقد وقعت هذه الكرامة الكبيرة لهُ عندَ حَجِهِ الأول عام (555) هجرية, وكان عمرهُ حينها 43 عام , وأمضى سيد الأولياء الإمام الرفاعي الكبير بعد هذه البيعة المباركة 23 سنة في خدمة العِلْم والدين والمسلمين حتى توفاهُ الله عن عمرٍ يُناهز 66 عام , وهذه الفترة تُعادل الفترة التي أمضاها جَده سيد الأنبياء محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد بعثهِ الشريف في الدعوة إلى الله , إذ أن عُمرهُ عليه الصلاة والسلام عند نزول الوحي عليه في غَار حِرَاء كان 40 عاما , وقد انقطع عنهُ الوحي وتوفاهُ الله بعد 23 عام من نزول الوحي وعُمرهُ 63 عام [وليد القراعين].

 البِشارة الكُبرى

لقد بشر النبي عليه الصلاة والسلام (خَال) سيدنا الرفاعي العارف الكبير الشيخ منصور الأنصاري بولادته, يقول السيد الشيخ منصور : رأيتُ النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل ولادة ابن أختي السيد أحمد الرفاعي بأربعين يوماً في الرؤيا, فقال لي : يا منصور! أبشرك أن الله يعطي أختك بعد أربعين يوماً ولداً , يكون اسمهُ أحمد الرفاعي, مثل ما أنا رأسُ الأنبياء , كذلك هو رأسُ الأولياء,.. من كتاب الإمام السيد أحمد الرفاعي من تأليف السيد مصطفى الرفاعي الندوي.

وكما بَشَرَ عيسى عليه السلام بأحمد النبي العدنان عليه الصلاة والسلام, فقد بشرَ الجدُ الكبير محمد عليه الصلاة والسلام بحفيدهُ وولدهُ أحمد الرفاعي عليه السلام. قال تعالى : {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدى اسمهُ أحمد .. 6} سورة الصف. وإذا تأملنا في الفواصل الزمنية بين ميلاد عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام والإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه , فإننا نجد أنها تكاد تكون متساوية بعددها مختلفة بوحدة قياسها , حيث أن الفارق الزمني في عدد السنوات الشمسية بين ميلاد عيسى وميلاد محمد عليهما الصلاة والسلام هو تقريباً 574 سنة (اتفقت كتب السيرة على أن ميلاد النبي (عليه الصلاة والسلام) كان في سنة 570م , وميلاد السيد المسيح كان حقيقةً قبل هذا التقويم الميلادي ب 4 سنوات تقريباً باعتراف الباحثين القائمين عليه) , والفارق الزمني في عدد الأعوام القمرية بين ولادة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وولادة حفيدهُ أحمد الرفاعي رضي الله عنه هو نحو 565 عام , حيثُ كانت ولادة الإمام الرفاعي في عام 512 هجرية في أم عبيدة بواسط العراق , بعد مرور نحو 565 عام على ولادة النبي عليه الصلاة والسلام . قال تعالى : {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذير فقد جاءكم بشيرٌ ونذير. والله على كل شيءٍ قدير 19} سورة المائدة. أي أن الله بعث محمد عليه الصلاة والسلام بعد مدة متطاولة من إرسال عيسى ابن مريم , قال قتادة : كانت ستمائة سنة , ورواه البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة : خمسمائة وستون سنة.(تفسير ابن كثير)

  وقد تُوفي الإمام أحمد الرفاعي عن عمرِ يُناهز 66 عاماً و 6 أشهر قمرية , وهذا الرقم  يُشكل ضِعف عُمر عيسى عليه السلام عندما توفاهُ الله ورفعهُ إليه وهو 33 سنة و 3 أشهر شمسية , بغض النظر عن اختلاف التقويم المستخدم في حساب كمية الزمن. وتدلُنا هذه النصوص والحسابات على أن الإمام الرفاعي الكبير يُمثل انعكاساً لِنور عيسى عليه السلام في أمة الإسلام, وقد أيَدَ اللهُ السيد أحمد الكبير بخوارق وكرامات الأولياء , كما أيَدَ عيسى عليه السلام بعجائب ومعجزات الأنبياء , ومن اللطائف الربانية في كون الإمام المُجدد أحمد الرفاعي على قلبِ عيسى عليه السلام , هي أن يكون العلاج من جنس الداء , حيثُ كانت الدولة الإسلامية في ذلك الوقت تتعرض لحملات صليبية شرسة تمخضت عن احتلال بيت المقدس وتدنيس المساجد ودُور العبادة فيه , وقد كان حَمَلت هذه الراية الصليبية المهزومة يُسَخِرون الدين باسم السيد المسيح عليه السلام , من أجل تحقيق مطامعهم في الحصول على حُطام الدنيا وغنيمتها , لذا فإ

المزيد


البرهان المُؤيد لكرامة مد اليد لأحمد

أيلول 20th, 2009 كتبها رجل من القريتين نشر في , كوكب قصص الأنبياء والصالحين, كوكب وليد أحمد الكراعين

 بسم الله الرحمَن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين , وصلى اللهُ على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه والتابعين , وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين , وسلم تسليماً كثيراً , أما بعد ؛ تسود على قلوب وعقول الناس في هذا الزمان موجات عاتية من الشك والارتياب تجاه المعتقدات الدينية بأصولها وفروعها , وذلك بسبب ما أصاب الناس من انقطاع ٍ عن دينهم وعقيدتهم وماضي آبائهم وأجدادهم , وقد بدأت هذه الموجة بالتأثير على الناس بشكلٍ ملحوظ منذ مطلع القرن الماضي تقريباً , والذي شهد سقوط الخلافة العثمانية ودخول القُوات الأجنبية إلى البلدان العربية والإسلامية , حيثُ صارت هذه البلدان خاضعة سياسياً واقتصادياً وحضارياً لتلك الدول الأجنبية , وقد قامت بعض الدول التي سيطرت قُواتها على أجزاء كبيرة من الوطن العربي مثل فرنسا , بشن حملات شرسة لطمس اللسان العربي والثقافة الإسلامية عند شعوب الدول الخاضعة لقواتها , وبشكلٍ خاص الدول المجاورة لها مثل الجزائر والمغرب وتونس , ولا تزال هذه الدول تعاني من آثار هذا القمع الثقافي لحضارتها وانتمائها العربي والإسلامي , وحتى بالنسبة إلى الدول الإسلامية التي نجت شعوبها من مثل هذا القمع الثقافي القهري , فإنها لم تنجو من الافتتان بالتطور الصناعي والتكنولوجي والروح الجديدة للغرب , وقد أطلق علماء الاجتماع على هذه الفتنة اسم (الصدمة الثقافية) , وسببها ذلك الفرق الشاسع الذي يجده المتلقي الشرقي - بالسفر أو عبر وسائل الإعلام والتبادل التجاري- بين نمط الحياة الشرقية الساكن والمحافظ دينياً واجتماعياً والبسيط صناعياً, وبين نمط الحياة الغربية الصاخب والمتمرد دينياً واجتماعياً والمتفوق صناعياً , وكان من نتائج هذه الصدمة الثقافية أن تنكر الكثير من أهل الشرق لِذاتهم وأهلهم وأوطانهم وموروثاتهم الاجتماعية والدينية , وصار الماضي التليد لأمتهم مجرد خزعبلات وأوهام لا تكاد تُذكر قياساً بروح العصر الحديث , وأصبح الشغل الشاغل للإنسان الشرقي مصبوباً على مواكبة النمط الحضاري والثقافي الغربي المُسيطر , وقد ضعفت الثقة بالكثير من المعتقدات الدينية والقصص التاريخية التي نقلها علماء وحُفَاظ الأمة بالتواتر كابراً عن كابر , وذلك أن هذا الأثر الكريم المنقول عن العلماء صار يُصادف قلباً خاوياً عن ذكر الله مشغولاً بحب الدنيا وشهواتها , وعقلاً مشتتاً بمشاغل الدنيا والنظريات المادية والإلحادية والاعتقادات المدسوسة والباطلة , فكانت النتيجة هي الإنكار والتنكر والرفض والسخرية من علوم الصالحين وأنوارهم وثقافتهم, قال تعالى: {فخلفَ من بعدهم خلْفٌ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهواتِ , فسوف يلقون غياً 59} مريم.

[قال أبو الاشهب في تفسير هذه الآية : أوحى الله إلى داود عليه السلام : يا داود حَذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات, فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة, وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته أن أحرمهُ طاعتي] مختصر تفسير ابن كثير. 

وقد ضاعف بعض الذين أنزلوا أنفسهم منازل أهل العلم عند الناس من الباحثين والمستشرقين وغيرهم حِدةَ هذه الفتنة الشعواء , وذلك بتعلقهم بالروايات الضعيفة والسلوكيات المُستحدثة والغريبة لبعض جماعات المسلمين , وتضخيمها والمُزَايدة عليها حتى تصير سبباً عندهم وعند من يتبعهم من ضعفاء النفوس والانتماء للانسلاخ عن أصول الدين والعقيدة وتكذيبها, إضافةً إلى أنهم قد تمسكوا بجذور الخلاف والاختلاف بين المسلمين في بعض القضايا الدينية العامة والفرعية , وأثاروا الجدل حول الكثير من المسائل الشرعية وأفتوا فيها بحسب أهوائهم ومقاصدهم , دون هدي ٍ واضح يدل على صلاح أحوالهم وحُسن نواياهم تجاه الإسلام والمسلمين , مما أدى إلى زعزعة الأمان الديني والعقائدي عند بعض المسلمين , وزيادة بذور الشك والفُرقة بين أصحاب المذاهب والمشارب الإسلامية , بل إنهُ من عِظَم ِ المُصيبة وشدة الفِتن وانقطاع الزمان وتباعده عن عهد السلف الصالح رضوان الله عليهم , أن صار علماء الأمة الصادقين عُرضة لموجات المد والجزر تجاه الكثير من المسائل الدينية , تتقلب آرائهم بين القبول والرفض والتصديق والإنكار قبل أن يلامس المُوَفَقِين منهم كَبِدَ الحقيقة وشمس الصواب , إضافةً إلى أنهم صاروا يستبعدون الكثير من الإرث النبوي الشريف بحجة أنه لم يصل إلى درجة الصحيح , رغم أن المأثور عن السلف الصالح يدل على أنهم كانوا يقولون ويعملون به , وعلى سبيل المثال لا الحصر مسألة المهدي المُنتظر التي جمدها بعض الدُعاة المُعاصرين وغَمطوها حقها , رغم شدة احتياج الناس في هذه المحنة العظيمة التي تمر بها الأمة خاصة والبشرية عامة , إلى البشارة الكبرى التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام ونقلها عنهُ أصحابهُ والتابعين من بعدهم , عن الشاب الصالح الذي ينير طريق البشرية بعد ظلامها في آخر عهد الإسلام , والذي يُعينهُ الله على إعداد الأمة لمواجهة أعظم الفتن وأكبر الشرور وهي فتنة الدجال الأعور , ويؤيدهُ ومن معهُ بالمسيح عيسى ابن مريم فلا ينقضي الزمان قبل أن يتم الله نُورهُ في هذه الدُنيا.  

وغير مسألة المهدي المنتظر -عجلَ اللهُ فَرجه-ُ فقد لحق الكذب والتشويه شخصيات إسلامية تاريخية مرموقة من الأئمة والعلماء والأولياء الصالحين , الذين حولهم الحاقدين والحاسدين إلى زنادقة ودجالين وخارجين عن الملة , وذلك بالنظر إليهم من زوايا ضيقة مع التماس أدنى عثرة في سيرة هؤلاء الأئمة من أجل صرف قلوب الناس عن علمهم ونورهم , ومن ضمن هؤلاء الأئمة الصالحين الذين تعرضوا وأتباعهم لعمليات التشويه والتهميش , رجلٌ صالح يجهلُ أمرهُ الكثير من أبناء الجيل المُعاصر وهو سيد أولياء هذه الأمة الإمام أحمد الرفاعي الكبير صاحب الطريقة الرفاعية , والذي توقف ذكرهُ ومعرفتهُ عند أجيال بدايات القرن العشرين , إلا من رحم ربي من مُريدي طريقته وأتباعهُ الصالحين إلى هذا الحين , وإذا كان أحد القُراء من مشاهدي الأفلام المصرية القديمة (أبيض وأسود) , فإنهُ لا بد أن يكون قد مر على مسامعهِ عبارة (يا سيدي يا رفاعي) , وهي نداء استغاثة شائع يردده العوام والضعفاء عند الخوف والعجز والابتلاء , وغير الأفلام القديمة فإن في حكايات أجدادنا وجداتنا الصالحين الكثير من القصص والأشعار المأثورة عن السادة الأولياء ومن ضمنهم سيدنا الإمام الغوث الرفاعي , وقد كانت جدتي الحاجة مريم بنت عيسى رحمها الله تنشدني الكثير من هذه الأشعار حتى وفاتها وبلوغها نحو سن التسعين عام , وقد أفردت فيما سبق من إدراجاتي بحثاً كاملاً عن كرامة الإمام الرفاعي وشخصيته ومكانته (كرامة سلام الإمام الرفاعي على خير الأنام) , وعقبتُ عليه بما فتح اللهُ به علي من أسرار الإمام الرفاعي وخصائصه الشريفة , وقد زادني اللهُ فضلاً وأنعم علي بمعرفة سرٍ جليل من أسرار كرامة مد اليد النبوية الشريفة للإمام الرفاعي , وقد ثبَتَ اللهُ فؤادي بمعرفة هذا السر البسيط في أسلوبه الجليل في مقداره , وقبل أن أبدأ في تفصيل فحوى هذا السر الجليل , أقدم فيما يلي موجزاً قصيراً للكرامة الرفاعية الكُبرى وأبعادها على أهل الإسلام. 

حجهُ المبرور وكرامة تقبيل الإمام الرفاعي يد جدهِ المصطفى (صلى الله عليه وسلم):

[تهيأَ سيدنا الرفاعي للحج , وذلك في عام (555 هجري) , وكان هذا حجهُ الأول , وحينما انتهى من أداء فريضة الحج , توجهَ مُشتاقاً ولِهاً لزيارة جَدهِ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) .

ولما اقترب من المدينة , خلعَ نعله ,  ومشى حافياً , وجاء إلى الروضة المُطهرة , ووقف أمام قبر جَدهِ الرسول – صلوات الله عليه- من جهة القِبلة وقال : السلامُ عليك يا جدي . فقال لهُ –عليه أفضل صلوات الله- : وعليك السلام يا ولدي . فتواجد , وأخذهُ الحال , فأنشد وقال : ((

في حالةِ البعدِ رُوحي كنتُ أرسلها      تُقبلُ الأرضَ عني وهي نائبتي

وهذه دولة الأشباح قد حضرت         فامدُد يمينكَ كي تحظى بها شَفَتي))

فلما أنشد هذين البيتين المحمودين , وشيد هذين الرُكنين الرفيعين تُجاه الحُجرة الطاهرة المُحمدية , مدَ له جَدهُ النبي الأكرم , صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم , يَدَهُ الشريفة البيضاءَ السوية , طويلة الأصابع , كأنها البرق المُضيء من قبره , وهي كالصيقل اليماني (أي كالسيف).

فقَبَلها سيدنا الرفاعي في مشهدٍ عظيم من حُجاج ذلك العام.

وكان فيمن حضرَ ذلك المشهد العظيم : الشيخ الولي السيد عبد القادر الجيلي , وغيرهُ من الشيوخ العِظام , والسادات الكِرام .

قال الإمام عبد الكريم الرافعي في كتابه (سواد العينين) : قد ذكرَ قصة مدِ اليد/ أمة من العلماء الأكابر , وأفردوا لها التصانيف الكثيرة , وقد تواتر خبر هذه المنقبة الأحمدية والخارقة المحمدية , واستفاض وبلغ مبلغ التواتُر المعنوي , والحمحَمة فيه من شوائب النِفاق والعياذ بالله! ويُخشى على مُنكر هذه المنقبة سوء الخاتمة , كما صرحَ بذلك الإمام السيوطي في كتابه (الشرف المحتم) وكتابه (التنوير) . . لِما في ذلك من الحسد للسلطان المُحمدي , الذي لا تنقطع خوارق بَرَكاته , ولا تنفصم بوارق إشاراته ..  وهي أشهر من أن تُذكر , وقد بلغت مبلغ القطع البت] من كتاب (الإمام السيد أحمد الرفاعي) تأليف السيد يوسف هاشم الرفاعي.

قال تعالى: {يا يحيا خُذ الكتاب بقوةٍ , وآتيناهُ الحُكمَ صبياً 12} سورة مريم.

وقد قادتني يدُ المشيئة قبل نحو 16 سنة وهي نصف سنوات عمري (32) , إلى رفوف مكتبتي المنزلية لأتناول كتاب (منشور البُشرى والهُدى) لفضيلة الشيخ ناصر الدين الخطيب وهو أحد أصحاب والدي , وقد كان هذا الكتاب مدخلي الأول  لمعرفة أولياء الله الصالحين وعلى رأسهم سيد الأولياء ومُجدد القرن السادس الهجري الإمام أحمد الرفاعي الكبير , ثم شاء اللهُ لي بعد ذلك أن أحظى بمعرفة ومُجالسة بعضٌ من رجال وأتباع الطريقة الرفاعية المُحمدية عن طريق كلاً من والدي ووالدتي, وكانت هذه المعرفة والمُجالسة سبباً أساسياً في صقل مواهبي الإيمانية , وحُسن تأديبي وتعليمي جوهر الدين والعقيدة وطيف من أحوال أهل السلو

المزيد


التالي