بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أكرم النبيين سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه والتابعين, وتابعيهم بإحسان ٍ إلى يوم الدين.
أما بعد ؛ هذا هو الجزء الثالث من بحث (الوليد بن عمران موسى عليه السلام), وترتيب هذا البحث في سلسلة أبحاث ومقالات هذه المدونة هو (الخمسين), والرقم (50) يُمثل الرمز العددي لاسم (وليد) على قاعدة حساب الجُمل, وسوف أستعرض في هذا الجزء جانباً من الآيات والمعجزات الكُبرى التي أيدَ اللهُ بها نبيهُ موسى عليه السلام, ومع ذكر كل معجزةٍ وآية سوف أقوم ببيان وتوضيح تجليات هذه المعجزة في اسم (وليد) خاصةً, والذي هو معنى اسم (موسى) باللغة المصرية القديمة كما بينت ذلك في الجزء الأول, وقد ورد هذا الاسم في القرآن على لسان فرعون في حديثه مع موسى عليه السلام, قال تعالى: {قال ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين 18} الشعراء.
وفي بعض الفقرات فإنني سوف استعين باسم أبي (أحمد) واسم جدي (محمد) لإكمال بيان واحدة من المعجزات الجِسام, وهي معجزة شق البحر بعصا موسى عليه السلام, وكذلك هناك فقرة خاصة باسم عائلتي (الكراعين), والذي هو كما مر معنا في الأجزاء السابقة اللفظ المحلي لأهالي قرى فلسطين لاسم (قراعين), وقراعين هو اسم جدي الأكبر (قرة عين), وقرة عين هو وصف امرأة فرعون لموسى عليه السلام في القرآن, قال تعالى:{وقالت امرأتُ فرعون قرتُ عينٍ لي ولك , لا تقتلوهُ عسى أن ينفعنا أو نتخذهُ ولداً وهم لا يشعرون 9} القصص.
آيات موسى الكُبرى في وليد الكراعين
لقد أيَدَ اللهُ نبيهُ موسى عليه الصلاةُ والسلام بمعجزاتٍ مُبهرة وأعطاهُ من الآيات العظيمة والأدلة القاهرة, وابتعثهُ إلى فرعون وملئه لتقوم عليهم الحُجة بالبرهان القاطع الواضح, قال تعالى : {فألقى عصاهُ فإذا هِيَ ثُعبانٌ مُبين 32 ونَزَعَ يَدهُ فإذا هي بيضاء للناظرين 33} سورة الشُعراء.
وقد بعث الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وهامان بآيتان عظيمتان لمُوازنة قضيتان خطيرتان, أولهما أن موسى بدعوته إلى الله الواحد الأحد سوف يُبطل إدعاء فرعون الإلوهية وهذا يقتضي القتل أو الحبس أو الطرد من مملكة فرعون, وثانيهما أن لقوم فرعون على موسى دم ودية ذلك الرجل الذي قتلهُ موسى عليه السلام, وهذا يقتضي أن لا يخرج موسى من حضرة فرعون وملأهُ قبل أن يُسأل ويُحاسب على هذا الفعل, وبمقابل هذان الموقفان الصعبان اللذان سوف يواجههما موسى في حضرة فرعون وهامان, فلا بد من أسبابٍ ظاهرة وجيهة لنجاة موسى من هذه المحنة الشديدة, وبالمقارنة بين المعجزتين اللتان ابتعث الله موسى فيهما إلى فرعون, فإن معجزة العصا تأتي بالمقام الأول لِما فيها من تحويل الشيء الجامد الثابت المحدود إلى حي مُتحرك مُطلق, وكذلك فإن خصوصية هذه المُعجزة وأهميتها العُظمى تكمُن في مقدرتها على إدخال الرهبة والخوف الشديد إلى نفس فرعون وحاشيته وجنده, وهذه المُهمة أنجزها الثُعبان الهائل القوي, والثُعبان حيوانٌ تزيغ الأعين وتقشعر الأبدان بمجرد النظر إليه على طبيعته, فكيف الحال إذا صاحب ظهورهُ فعلٌ خارقاً للعادة, فإن هذا من شأنه أن يُبقي فرعون وملأهُ تحت وطأة الخوف والقلق من حدثٍ غير معتاد يجري لهم على يدي موسى عليه السلام وعصاهُ مُتعددة الأغراض, وقد كان خوفهم في مكانه, فبضربةٍ من عصا موسى انشق البحرُ نصفين فمر موسى ومن معهُ وغرق فرعون ومن تبعهُ, وزالت بذلك دولة الفرعون المُتكبر وصارت عبرةً لكل من يسير سيرها وينهجُ نهجها في الظلم والعناد.
لطيفة قرآنية:
قال تعالى: {فأراهُ الآية الكُبرى 20 فكذب وعصى 21 ثم أدبر يسعى 22} سورة النازعات.
{الآية الكُبرى} هي جُملة مُفردة تفيد الجمع, وذلك أن موسى عليه السلام كما في الآيتين السابقتين من سورة الشعراء قد أظهر لفرعون كِلا الآيتين معاً (العصا واليد), وهذا ما دل عليه التفسير, وكما ذكرتُ في الفقرة السابقة فإن آية العصا هي الأكبر والأكثر أهمية مقارنةً بآية اليد, ونستطيع أن نستنبط ما يدل على كِبَر آية العصا وشدة سلطانها على قلب فرعون من خلال آيات سورة النازعات أعلاه.
بدايةً بالآية رقم 20 التي وردت فيها كلمة (الكُبرى), وكما هو معلوم فإن أحد أشهر وأقوى أنواع الأفاعي هو أفعى (الكُبرى), ولعل هذا يعطينا إشعاراً إضافياً بأن عصا موسى قد تحولت إلى أفعى نوع كُبرى.
ثانياً, نجدُ في الآيتين رقم 21 و 22 اللتان صورتا ردة فعل فرعون بعدما شاهد الآيات, لفظاً متشابهاً وبحسب ترتيب الآيتين مع اللفظ الذي جاء في ذكر آية عصا موسى بسياقين مختلفين.
ففي الآية رقم 21 نجدُ لفظ (عصى) ومعناهُ ضد )أطاع(, وكذلك فإن لفظ (عصى) بكسر الألف هو ذاته لفظ (عصا) بمد الألف وهي أداة معجزة موسى عليه السلام, وفي الآية التالية رقم 22 نجدُ لفظ (أدبر) وهو فعل معناهُ (ولى ظهرهُ), وهذا ما فعلهُ موسى عليه السلام بعدما رأى عصاهُ قد تحولت لثعبان, قال تعالى : {وألق ِ عصاك, فلما رآها تهتزُ كأنها جانٌ ولَى مُدبراً ولم يُعقب, يا موسى لا تخف إني لا يخافُ لدي المُرسَلون 10} سورة النمل.
ونجد في الآية رقم 22 أيضاً لفظ (يسعى), والسعي هو حالة عصا موسى بعد أن ألقاها وتحولت إلى حية بأمر الله, قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى 17 قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى 18 قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى 19 فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى 20} سورة طه.
وليد .. ومعجزتي العصا و اليد
إذا كانت آية {الآية الكُبرى 20} جملة مفردة أفادت الجمع بين معجزتي العصا واليد لموسى عليه السلام, فإن (وليد) كذلك اسمٌ مفرد يُفيد الجمع بين ذات المعجزتين, وكما في الشرح التالي:
* نقوم بتقسيم اسم وليد على النحو التالي: وليد = ل + و + يد.
ل : إن رسم حرف اللام يشبه شكل العصا المعقوفة مقلوبة كتلك التي على يسار الصورة, والعصا هي الأداة الرئيسية التي سخرها الله لإظهار طلاقة قدرته لموسى وقومه.
يد: واليد هي الأداة الثانية التي أيَدَ اللهُ بها نبيهُ موسى عليه السلام وجعلها آيةً بنورها الساطع للأنام.
و: حرف الواو, ويُكتب بالإنجليزية WAW , وهي لفظة يستخدمها الأعاجم للتعبير عن الدهشة والتعجب, والدهشة والخوف الشديد هو ما أصاب موسى عليه السلام بعدما شاهد عصاهُ قد انقلبت إلى ثُعبان, قال تعالى : {وألق ِ عصاك, فلما رآها تهتزُ كأنها جانٌ ولَى مُدبراً ولم يُعقب, يا موسى لا تخف إني لا يخافُ لدي المُرسَلون 10} سورة النمل. والدهشة والاستغراب الشديد هو ما أصاب فرعون بعدما رأى معجزات موسى الباهرة, فأبى عليه عنادهُ وكفرهُ إلا أن يقول في موسى, قال تعالى : {قال للملإ حولهُ إنَ هذا لساحرٌ عليم 34} الشُعراء. والدهشة والخضوع هو ما أصاب سَحرة فرعون بعدما رأوا ثُعبان موسى عليه السلام تجمعُ عصيهم من كل بُقعة وتبتلعها فخروا لله ساجدين, قال تعالى : {فألقى مُوسى عصاهُ فإذا هي تلقفُ ما يأفكون 45 فأُلقي السحرةُ ساجدين 46 قالوا آمَنَا برب العالمين 47} الشُعراء.
والآن وبعد أن بينتُ باختصارٍ شديد كيفية اجتماع مُعجزتي (العصا واليد) في اسم (وليد), سأُبين بالتفصيل المُفيد كيفية انطواء كلٍ من المعجزتين على حِداً في اسم (وليد).
1- معجزة العصا والثعبان في اسم وليد
قال تعالى: {فألقى عصاهُ فإذا هي ثُعبانٌ مُبين 32}
ثُعبانٌ مُبين: أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح, ذات قوام وفم كبير وشكلٍ هائلٍ مُزعج (مختصر تفسير ابن كثير).
ولو تمحصنا في اسم (وليد) فإننا سنجدُ العصا وصفات الثُعبان المُبين حاضرين:
وليد = و + ل + يد = ل + ويد.
ل: (العصا), كما ذكرتُ سابقاً فإن كتابة حرف اللام ( ل ) تشبه شكل العصا المعقوفة بشكل مقوس مقلوبة كتلك التي في الصورة.
ويد:إن هذه الحروف العربية الثلاثة تُعادل حروف (W,I,D) الإنجليزية, وتُمثل هذه الحروف مُجتمعة على الترتيب لفظ كلمة (Wide), علماً بأن حرف (e) في نهاية هذه الكلمة يُكتب ولا يُلفظ, وتُستخدم كلمة (wide) باللغة الإنجليزية بمعنى واسع وكبير وهائل (1), وهذه المعاني تُعبر عن صفات ثُعبان موسى عليه السلام كما وصفهُ الله في القرآن {ثُعبانٌ مُبين}.
كذلك وبحسب معاني كلمة (wide) في قاموس اللغة الإنجليزية فإن جُملة : (Wide mouthed) تعني واسع الفم, نَهِم, جشع (1). وهذا هو وصف فم ثُعبان موسى عليه السلام كما ذكره ابن كثير – رحمهُ الله - في التفسير أعلاه, وهذه الوصف لِنَهم هذا الثُعبان وسِعة فَمهُ عبر عنها القرآن في قوله تعالى: {فألقى موسى عصاهُ فإذا هي تلقفُ ما يأفكون 45} الشعراء, أي تخطفهُ وتجمعهُ من كل بُقعةٍ وتبتلعهُ فلم تدع منهُ شيئاً.
2- مُعجزة يد موسى في اسم وليد
قال تعالى لموسى عليه السلام: {اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} [32, القصص].
(أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها, فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق, ولهذا قال {من غير سوء} : أي من غير بَرص). مختصر تفسير ابن كثير.
وفيما يلي بيان الكيفية التي انطوت فيها معجزة اليد الموسوية في اسم (وليد):
وليد = ول + يد .
ول: الشطر الأول من اسم (وليد), ويعادلها لفظاً باللغة الإنجليزية كلمة (Well), وتأتي هذه الكلمة بمعنى : حَسناً, ومُعافى, ومتمتع بصحةٍ جيدة (1).
يد: عضو من أعضاء الإنسان غني عن التعريف.
والآن فإن : وليد = ول + يد = well + يد = حسناً مُعافى + يد.
وهذه النتيجة التحليلية لاسم (وليد) تُعبر تماماً عن عما جاء في الآية الكريمة من ذكر معجزة يد موسى عليه السلام.
قال تعالى: {اسلك (يدك) في جيبك تخرج بيضاء (من غير سوء)}.
يدك = يد, وهي الأداة الرئيسية في المعجزة.
من غير سوء = ول (well) بمعنى مُعافى بحالة جيدة, أي أن يدك يا موسى تخرج من جيب درعك مُعافاة صحيحة ليس بياضها الساطع من بَرَصْ.
حادثة انشقاق البحر لبني إسرائيل كرامةً لنبيهم موسى وأخاهُ هارون الوزير
قال تعالى: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بِعَصاك البحر , فانفلقَ فكان كلُ فِرقٍ كالطودِ العظيم 63} سورة الشُعراء.
لما طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر, وأقام بها حجج الله وبراهينهُ على فرعون وملئه, وهم مع ذلك يُكابرون ويُعاندون, لم يبقَ إلا العذاب والنَكال, فأمر الله موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً من مصر, ففعل موسى عليه السلام ما أمرهُ ربه ومضى ببني إسرائيل إلى أن انتهى بهم المسير إلى سيف البحر, وهو بحر القلزم أو ما يُعرف اليوم ڊِ (البحر الأحمر), وهذا ما دلت عليه كُتب التفسير والروايات الدينية والتاريخية.
وبعد أن صار البحرُ أمام بني إسرائيل وتوقفوا عن المسير, ظنوا أنهم لا خيار أمامهم للفرار وأن فرعون وجنودهُ المُطاردين لهم سيصبحوا قريباً على مرمى الأسماع والأبصار, وهنالك دعا موسى ربهُ قائلاً: (يا من كان قبل كل شيء , والمكون لكل شيء, والكائن بعد كل شيء, اجعل لنا مخرجاً, فأوحى الله إليه : {اضرب بعصاك البحر}.
ولنتوقف قليلاً عند هذه المسألة ونتأمل بآلية ضرب البحر بالعصا, ولنأخذ مِثالاً عملياً بسيطاً شبيهاً بهذا الفعل, وهو إذا أحضرنا عصا متينة ثقيلة وضربنا بها إناء واسع صغير مملوء بالماء ضربةً قوية, فإن كميةً كبيرة من الماء تساوي (مقدار كتلة وحجم العصا التي غاصت في الماء إضافةً إلى مقدار قوة الضربة) سوف تطيش من على جانبي العصا وحولها إلى خارج الإناء, ولولا أن خاصية سيولة الماء ولزوجته
المزيد